في ذروة الهذيان الوجودي

الأمطار تغرق خيام النازحين في غزة

 

 

 

لم نعد ندري ونحن في ذروة الهذيان السياسي، وربما الهذيان الوجودي، ما إذا كان مصيرنا مسألة دولية أم اقليمية، أم كلاهما معاً، فالتداعيات الغامضة لأحداث غزة، والحراك الدولي لتجميد الوضع عند حدود معينة، بعد هستيريا الدم الإسرائيلية، لصياغة شرق أوسط جديد يخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، يجعل الطريق نحو حرب شاملة يزداد اتساعاً، بعد فشل الجهود الدولية والاقليمية للوصول إلى هدنة، وحل لوقف القتل الجماعي، والموت جوعاً في غزة، فأصبحت الحرب الشاملة مساراً إجبارياً لا مفر منه، حتى إذا كانت كل الأطراف لا تريدها، ولكن أمريكا التي حشدت أساطيلها منذ اليوم الأول للحرب على غزة، هدفها توسيع الحرب وإشعالها، للحفاظ على أمن إسرائيل، وإعادة رسم خارطتها للمنطقة.

ما يحدث في غزة للشهر الرابع عشر على التوالي، حيث المذبحة الأشد هولاً في القرن، تجري أمام أعين الداني والقاصي، غرب وعرب، منظمات وهيئات دولية، هي امتداد لثقافة النكبة  منذ 76 عاماً، ولو حدثت في أي منطقة في العالم لاهتزت هذه المنطقة، تحولنا من شركاء في الصراع إلى وسطاء، لا يقوم العرب بأي خطوات تجاه إسرائيل بل بالرد العاطفي أو الاعتماد على طرف أخر، ومن اعتمد على نفسه انتهى به المطاف إلى الحرب والتدمير كالعراق وليبيا وسوريا، والتعاطف العربي لم يكن بحجم الكارثة، لا شيء سوى تعبير عن القلق والرفض، أو التحذير من العواقب، إحصاء الشهداء، بكاء وعويل على الجوعى، ومما يثير الدهشة أن الدول العربية  تشاهد كل ما يحدث راهناً، لم تستجب بشكل قوي، أو لم تستجب على الاطلاق، وتستخدم أفعال حماس للتقاعس، والهروب من مسؤولياتها. 

دول ضعيفة مفككة ومشتتة، مجتمعات متفرقة، بقايا بشرية تصر على البقاء ما تحت الزمن، دون أن يكون لها موطئ قدم على المسرح الدولي، دمى لا دور لهم في اللعبة الاقليمية أو اللعبة الدولية، خارج إطار النفط لا يوجد للدول العربية أي تأثير حقيقي على العالم، لا تصنع شيء، لا تسيطر على أي قطاع، اسهاماتها الأكاديمية ضعيفة جداً، فالمجتمع في أغلبه غير فعال يعاني من الجهل المدقع والقهر، خبرتها العسكرية هشة، فالدول العربية في القرن الأخير كانت إما بدائية أو مستعمرة كل ذلك تجلى في سياساتها، لا يوجد لها أي عقيدة أو مشروع وجودي تقوم عليه، لا يجمعها مصلحة مشتركة بغض النظر عن المغازلات القومية، فكل دولة عربية لديها ظروفها التي تؤثر على قدرتها على التحرك أو التفاعل مع الأزمات، تحديات داخلية أو تحالفات أو مصالح خارجية وتحديات مادية وجغرافية، قد تتجزأ لتقف في وجه الغرب وتساند فلسطين، ونظراً لتداعيات وتداخلات القضية الفلسطينية مع استراتيجيات دول كبرى، فمن مصلحة العرب المراوحة والحفاظ على الأمور كما هي، تجنباً للغضب الأمريكي والغربي.

الآن تلويح بالعصا والجزرة للسعودية لدفعها إلى التطبيع، التطبيع والسلام يحتاج إلى مناخات هادئة، وما يجري في غزة لا يسمح لأي حراك أو المضي في تطبيع علني، ولكن أمريكا لا تكل ولا تمل في بناء تحالفات من أجل الاستثمار في الصراع في الشرق الأوسط، بدأت مفاوضات السلام وفقاً لسياسة الخطوة بخطوة، وتحقيق اتفاقات مؤقتة وليست دائمة لمجمل الصراع العربي الإسرائيلي، أخرجت مصر من الصف العربي باتفاقية كامب ديفيد عام 1977، وكانت منعطفاً في تشكيل تحالفات جديدة بين أنظمة عربية حليفة للغرب تربطها علاقات مع إسرائيل، تلتها اتفاقيات أبراهام  "الترامبية" المثيرة للجدل لأنها أبرمت بين دول عربية لم يكن بينها وبين إسرائيل أي عداوة مباشرة أو حروب، ازداد النفوذ الأمريكي بالمنطقة، وواشنطن باتت الآمر الناهي، لم يلزم إسرائيل بتقديم تنازلات تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة لتصاب القضية الفلسطينية بنكسة جديدة.

لا يبدو نتنياهو يتجه نحو إنهاء الحرب، كررها مراراً "أياً تكون الاتصالات فالحرب سوف تستمر"، وهو لا يعارض حل الدولتين فحسب بل يرفض السماح للسلطة الفلسطينية بأن يكون لها دور في حكم غزة بعد الحرب، غزة تحولت إلى جحيم، وغريب أننا لم ندرك من هي إسرائيل، إسرائيل المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط وترسيخ وجوده على الأراضي الفلسطينية، ستدافع عنه بكل ما أُتيت من قوة، عصابات صهيونية متطرفة سعت وما تزال إلى تشكيل حسب ما يدعون وطناً قومياً لليهود في العالم في أبشع عملية تطهير عرقي واغتصاب لم تشهد البشرية مثيلاً لها بحق أرض وشعب له تاريخه وجذوره العميقة الراسخة في أرضه، جرائم تصنف بأنها جريمة ضد الإنسانية، وذلك خلافاً لكل المواثيق والأعراف والمعاهدات الدولية، ومع ذلك لا تتوانى إسرائيل اليوم عن إبادة آلاف من سكان غزة، فيما كثيرون أخرون لا يزالون تحت الأنقاض، وطرح علني لتهجير جماعي للفلسطينيين قسراً، ودفع مليوني من سكان القطاع إلى الصحراء، محاولة إسرائيل تغطية الفشل بارتكاب المذبحة تلو الأخرى، والرغبة في حسم الصراع بالقوة والتدمير والقتل، وخاصة وأنها أمام مفترق وجودي وتستشعر بالخطر، غزة تحولت إلى جحيم، وهستيريا الدم تؤكد ما هو ماضيه به إسرائيل لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى".

واليوم ونحن نعيش راهناً، أزمات سوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا ولبنان، وهيروشيما غزة، والقادم ربما أسوأ، أين العرب، وهم في غيابهم يعمهون؟! ولو كان هناك نية حقيقية لحماية الشعب الفلسطيني لكان هناك أدوات ضغط أخرى على أمريكا وظلها وحلفائها، "طرد سفراء وقطع علاقات وامدادات النفط بالحد الأدنى"، والسؤال ألم تكن الدول العربية قادرةً فعل ما فعلته جنوب إفريقيا فقط كمثال؟؟!! طالما شكلت الجيوش لحماية العروش، فدعونا ننسى أننا عرب.

تدور إسرائيل في حلقة مفرغة وكل حروبها القريبة والبعيدة لا هدف سوى الهروب من الاستحقاق الفلسطيني ولكن إلى متى؟؟؟ بما أن الدولة العظمى حامية إسرائيل وداعمة لتشددها وإنكارها للحق الفلسطيني فإنها تدرك أن امكانيات التفاوض على دولة تبدو أمراً مستحيلاً، ولكنهم أمام نوع أخر من الفلسطينيين ظهر في الميدان القتال حتى الموت، لا دبابات ولا مدرعات ولا قوة بحرية، وفي ظروف تفوق التصور بأهوالها وبويلاتها، ليقولوا أن فلسطين ما زالت حية وستبقى حية مدى الدهر، وهم يستشعرون أن النهاية آتية لا محالة، نهاية الزمن الأمريكي والصهيوني.

 

 

 

Loading...