لا هزيمة مطلقة... لا نصر مطلق

 

 

 

لا أعلم بالضبط مكان الخط الفاصل بين الجيد والسيئ في اتفاقية وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ولكني أعلم أن وقف حرب الإبادة هو جيد، بل وجيد جداً، وأعلم أن تحرر آلاف الأسرى هو عمل جيد، وأن عودة أهل القطاع إلى بيوتهم أو مكان بيوتهم التي دمرت هو أمر جيد أيضاً.

سيكون التقييم لاتفاقية وقف إطلاق النار مرتبطاً بالبدايات والنهايات، البدايات مفاجئة صاعقة، تخطيط يتفوق على نفسه، تنفيذ جريء ومتقن، قدرات استثنائية، البدايات إعجازية. الثغرة الوحيدة حسابات فيها قدر من المغامرة غير المحسوبة، وعدم تقدير كافي لردّات الفعل. وكذلك النهايات المتقنة، المنظمة بأدق التفاصيل، المعبرة على قدرة على السيطرة، نهايات تليق بمن استطاع أن يجترح البدايات المتميزة. ما بين البدايات والنهاية كانت حرب إبادة غير مسبوقة، تشريد وتجويع، حرب على الإنسان والمكان، كان صموداً شعبياً اسطورياً يتوازى مع مقاومة حقيقية وفاعلة ومؤثرة، ما بين البدايات والنهايات وجع كبير، وعظمة كبيرة، وخيبات كبيرة.

توجت الحرب باتفاقية تشبه وقف الحرب إلا أنها ليست كذلك بالضبط، تشبه الانتصار إلا أنها ليست كذلك بالضبط، اتفاقية فيها طعم الانتصار المر، والصمود المضطر، والوجع المكابر. ستكون بحاجة إلى نحت مصطلحات جديدة للتوصيف، إبداع معايير جديدة للاحتكام لها، بحاجة إلى لغة لا تنتمي لعصر ما قبل سبعة أكتوبر حتى تكون مفهومة.

إنها الحرب المعجزة المتوحشة المغامرة الإبداع العظيمة الكارثة الملهمة المحبطة، إنها كل شيء وأي شيء. حتى الآن إنها حرب، وحتى شعار آخر ستبقى حرب.

سيكون التقييم الحقيقي لها عندما تبدأ في التحول إلى معطيات سياسية، حينها سيتضح مسار التقييم الحقيقي، الحرب هي سياسة بطريقة أخرى كما قال كلاوزفيتش، أو هي سياسة مكثفة كما قال لينين، وفي كلا القولين فإنها سياسة. من المبكر القول أن الاتجاه السياسي لهذه الحرب قد اتضح، ومن المبكر أكثر إطلاق أوصاف الانتصار والهزيمة وإعطاء مواقف ووضع الحرب في سياقات، من المبكر لأن هذه الحرب تختلف عن أي حرب، فيها من الأهداف ما هو معلن وما هو خفي، ومن المبكر لأن ارتداداتها لم تنتهي بعد وتحتاج إلى وقت حتى تتضح، ومن المبكر لها نتائج سياسية ستأتي متأخرة نوعا ما وغير مباشرة نوعا ما، وعميقة نوعا ما.

لكن وفي كل الحالات لا انتصار مطلق ولا هزيمة مطلقة في هذه الحرب، والأهم أن من لم يشارك بها قد يكون مهزوما أكثر من الطرف المهزوم، هناك أطراف هزمت مرغمة حتى قبل أن تنتهي الحرب، هزمت سياسياً وفقدت مكانتها ودورها، وهناك أطراف اختارت الهزيمة بإرادتها.

كما قلنا حرب ليست ككل الحروب، لا هزيمة مطلقة، لا نصر مطلق، ولكن قد تقلب النتيجة النهائية كل الموازين لتصبح هذه الحرب التي لم ينتصر فيها أحد.

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...