مقالات مختارة

ترمب... شخصية نرجسية متقلبة | د. إبراهيم يوسف عبيد*

 

 

 

لقد شغلت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتعلقة بتهجير سكان غزة إلى الأردن ومصر، ودول أخرى الرأي العام الدولي، وجاءت بردود أفعال محلية وعربية ودولية ما بين رافضة ومستهجنة، وقد سبق ذلك قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2017، وقتها انشغل أيضاً الرأي العام العالمي، فعمّت المظاهرات والاحتجاجات والتصريحات الرافضة والمنددة بهذا القرار معظم دول العالم التي وصفته بغير العقلاني والطائش منها تصريح وزير الخارجية الهولندي "هالبه زيليسترا" الذي وصف قرار  ترمب حينه بأنه: "خطوة غير عقلانية وستضر بمسار السلام". ووصفته العديد من الشخصيات القانونية والحقوقية بـ غير العقلاني" ويخالف المعاهدات الدولية، وقرارات محكمة العدل الدولية التي تقر بحق الشعب في تقرير مصيره وتقرير حقوقه السياسة والاقتصادية".

واليوم يخرج علينا ترمب ذاته بأفكار غير عقلانية، كتهجير سكان غزة إلى المغرب والصومال وأرض النبط، وهي أفكار يصعب تفسيرها وإن تماشت ظاهرية مع خطط اليمين الإسرائيلي المتطرف، فعندما يكثر الحديث عن القرارات غير العقلانية، أو المتهورة، أو الطائشة كما وصفها الكثير من السياسيين، وعلماء النفس - التي اتخذها ويتخذها الرئيس ترمب كقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛ أو خطة تهجير سكان غزة- التي لم تتضح معالمها بعد- وما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات، فإن الأمر يتطلب تسليط الضوء على البيئة النفسية للرئيس ترمب للوقوف على طريقة وطبيعة تفكيره، والسمات الشخصية التي تتسم بها شخصيته.

من خلال مجموعة من الدراسات والتقارير لعلماء وأخصائيين نفسيين داخل الولايات المتحدة وخارجها، وذلك على النحو الآتي:

1. البروفيسور "وليام دوهيرتي"، أستاذ علم النفس بجامعة مينيسوتا"، نشر في حزيران/يونيو 2016 عريضة إلكترونية أسماها مناهضة "الترمبية" وحصدت تواقيع أكثر من 2200 اختصاصي بالصحة العقلية، وعلق دوهيرتي بالقول: "نعم، يعتبر الأمر بالنسبة لي استثناء، إذ أن الواقع الذي يطالعنا يجسد تهديداً للديمقراطية بعينها"، يقصد شخصية وسلوك الرئيس ترمب.

2. الدكتورة جولي فوتريل" قالت: "إن النرجسية هي إحدى أبرز السمات النفسية لترمب، وأن هذه النرجسية تمنعه من رؤية الواقع، لذا لا يمكنك استخدام المنطق لإقناع شخص مثله.

3. الدكتور "ستيفن بوزر " صاحب كتاب "الخطر الواضح القائم النرجسية في عهد دونالد ترمب" قال: "إننا نحرص على عدم وضع تشخيص سريري هنا للقول إن ترمب يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية. وقد سلطنا الضوء على الصورة التي يظهر بها عبر الشاشة، والتغريدات، والتعليقات".

4. الطبيب النفسي الأمريكي "جون غارتنر" عقب اجتماع لخبراء في الطب النفسي في جامعة يال" الأمريكية، بتاريخ 28 كانون الثاني / يناير 2017، قال: "إن أطباء وخبراء في علم النفس رأوا أن من واجبهم الأخلاقي تحذير الرأي العام الأمريكي من مخاطر المرض النفسي الذي يصيب رئيس البلاد".

5. الدكتور "محمد المهدي"، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، مصر، تحدث على فضائية المحور المصرية عن شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلاً: "تظهر عليه علامات غريبة من اضطرابات نفسية منذ توليه قيادة الولايات المتحدة". وأضاف: "أن أحد الأطباء النفسيين الدوليين تحدث عن أن ترمب يعاني من النرجسية الخبيثة، ويبدو أنه عاطفي ومرح ومؤثر في الناس لكنه في النهاية يرى الآخرين أداة لخدمة مصالحه. وأشار: "أن ترمب يميل إلى الطائفية والعنصرية، ويشبه الديكتاتور أدولف هتلر من ناحية الشعور بالعظمة، وأن بعض الأطباء النفسيين يرون أن ترمب خطر على العالم والسكوت على التشوهات النفسية له خيانة لأمريكا والعالم والإنسانية".

6. الأستاذ الدكتور "قاسم صالح"، رئيس الجمعية النفسية العراقية، أعد دراسة حلل فيها شخصية الرئيس ترمب سيكولوجياً، وتوصل فيها إلى عدة نتائج، منها: "أن ترامب هو شخصية استعراضية مولع سيكولوجياً، يحب الظهور والشهرة، إذ قدم لمدة إثني عشر عاماً برنامجاً تلفزيونياً بعنوان "ذي أبرنتيس" أجرى فيه اختبارات لعدد من المرشحين للالتحاق بشركاته العملاقة، وأخذ الأمريكيون يلقبونه الدونالد ترمب الشهير، وأصبحت تسريحة شعره رمزاً للنجاح في الأعمال خلال الثمانينات من القرن المنصرم.

إن المتتبع لسلوكيات الرئيس ترمب  في ولايته الأولى عام 2017 والثانية عام 2025، يلاحظ بوضوح اتباعه سياسة تتطابق مع التوجهات والرؤى الإسرائيلية، وتلبي مطالب التيار المسيحي المتصهين داخل إدارته، وهي تجاوز للأعراف الدبلوماسية وقرارات الشرعية الدولية، والقانون الدولي؛ فالرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه لم يتخذوا قرارا بهذه الجرأة والتخبط أيضاً وفقاً لحسابات استراتيجية دقيقة تتعلق بالرؤية والمصالح الأمريكية في المنطقة، هذا فضلاً عن شخصيتهم التي قد صقلتها وطورتها البيروقراطية والديبلوماسية التي تخضع للتخطيط الطويل والابتعاد عن الارتجال. إلا أن ترمب ذو الشخصية المتهورة الذي يحب المديح الدائم ويشيد باستمرار بنفسه بأنه يمتلك صفات لم تكن موجودة عند نظرائه السابقين كالشجاعة والجرأة والإنجاز السريع، وكأن تهجير سكان غزة ليست قضية سياسية كبرى، وإنما قضية شخصية تتعلق به وبالنرجسية التي تسيطر على سلوكه وبحاجة دائمة للمزيد من الإعجاب والإطراء، ويبدو أن التصريحات العربية والدولية والاستنكارات الواسعة لهذا المخطط وموقف الاتحاد الأوربي المعارض له، وهو صورة مكملة لهذا الميل الغريزي في أن يكون موضع اهتمام الجميع وشغلهم الشاغل. أمثلة أخرى كذلك، انسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان بحجة معاداته للسامية، وفك الالتزام بعقد اللاجئين للأمم المتحدة... الخ. خلافاً للنهج والسلوك الذي سلكته واعتادت عليه الإدارات السابقة القائم على الالتزام بالعقود.

إلى جانب النزعة النفسية التي تسيطر على سلوك ترمب حسب التحليل النفسي، فمن المرجح أن يسعى ترمب لإضفاء بعد ديني في سلوكه وخاصة، وهذا ما كان ظاهراً إبان ولايته السابقة لتحقيق غايات عدة منها لفت الأنظار عن مشاكله الداخلية، وإرضاءً تيار اليهودية المسيحية المتنفذ في المؤسسات السياسية والاقتصادية الأمريكية؛ ولعل ذلك ما دفعه إلى الإقدام على هذه الخطوة، وهو يدرك أنها تشكل خروجاً على الشرعية والقوانين الدولية، وتجاوزاً للحقوق الوطنية للفلسطينيين والقومية والدينية، فضلاً عن تعطيلها لحل القضية الفلسطينية.

*أستاذ العلاقات الدولية المشارك، جامعة الأقصى فلسطين

 

 

 

Loading...