مهما تفاوتت آراؤنا حول مواقف الدول العربية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يجب أن نكون جاهزين للاشتباك معه في حوار بنّاء يخدم مصالحنا المشتركة والفردية بما يعظم من الفوائد، ويقلل من احتمالات المواجهة الصريحة معه درءاً للأضرار التي قد تتولد عن ذلك. ومن أجل البحث في هذه النقطة بلغة الممكن وأكثر قليلاً، دعونا نبني هذا الأمر على عدد من النقاط الأساسية، والتي يجب التنويه بها في هذا الإطار تجنباً لأي لبس أو تضارب غير ضروري.
النقطة الأولى هي أن ترامب، وبحسب تصريحاته، لا يريد إشعال الحروب. ويفضل أسلوب التفاوض الصريح، واستخدام وسائل الضغط الاقتصادية بدلاً من المواجهات العسكرية، والتي قد يهدد أو يلوح باستخدامها من قبيل تقريب وجهة نظر الطرف الآخر إلى ما يريده هو لا ما يريده الآخرون.
النقطة الثانية والتي اتَّفَقت عليها جمهرة المحللين والكتاب من داخل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية أن كثرة المطالب والمواقف التي صرح بها حتى الآن لا تتسق مع مصالح كثير من هذه الدول. ولعلنا لو أردنا أن نسم هذه الظاهرة فسوف نعطيها عنوان "ترامب مقابل العالم". وهو يريد من كندا أن تلغي نفسها وتصبح جزءاً من الولايات المتحدة. ويريد أن يشتري جزيرة غرينلاند من الدنمارك، ويقنع روسيا بعدم الدخول في تحالف استراتيجي مع الصين مقابل إنهاء الأزمة الأوكرانية، ويريد من (أوبك +) وبخاصة المملكة العربية السعودية أن تخفض أسعار النفط، ومن الصين ألا تتفوق تكنولوجياً متخذاً من ديبسيك (Deep Seek) رمزاً لتفوقها على (Chat GPT) عنواناً لذلك، ويهدد مجموعة "البريكس" ألا تصدر عملة منافسة للدولار أو تنشئ وسائل تسويات للمدفوعات تزيح الدولار عن عرشه، على الأقل لأن ذلك سيحول دون تحقيق شعارَيْهِ "أميركا أولاً" وَ"دعونا نجعل أميركا عظيمة مجدداً".
النقطة الثالثة أن الوقت المتاح أمام ترامب لتحقيق هذه الأماني العريضة ليس أربع سنوات، بل سنتان لكي ينجح في الانتخابات التشريعية (لكامل مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ) في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2026. وإذا فشل في تحقيق النتائج التي تقنع الشعب الأميركي بحُسنِ إدارته، فإنه مرشح لخسارة الأكثرية في كلا المجلسين، والتي تتمتع إدارته بهما حالياً.
النقطة الرابعة والأخيرة أن الرئيس الأميركي يجب أن يدرك أن ضغوطه على العالم العربي لا تحقق له النتائج التي يريدها، وأن العرب بضعفهم غير قابلين لأن تقطع سكينه بهم كما تقطع في الزبدة، بل عليهم أن يتفقوا على ذلك. يبدو أننا بحاجة لتصنيف مطالبه منا حسب أهميتها الاستراتيجية المحققة لمصالحنا العليا. ولعل هذا يبدأ برفض تصفية القضية الفلسطينية على حساب أهل فلسطين والأردن ومصر، صحيح أن المصالح العربية تتطلب الوصول إلى حل عادل ودائم وقابل للاستمرار، ولكن ليس مقابل أي ثمن. والأمر الثاني هو أن لدول الخليج مصالح كبرى سياسية واقتصادية في تحقيق النماء القائم على الإنتاج المنافس، وأن الأموال العربية ليست ملكاً إلا لأصحابها، وحق التنافس متروك لهم. والمطلوب إقناع الرئيس ترامب أنه اذا كان يريد استثماراً عربيا لديه، فعليه أن يراعي حرية اختياراتهم حسب المغريات التي يقدمها لهم، وليس حسب الإملاءات التي يريد فرضها عليهم.
هذه النقاط الأربع الأساسية، إن قبلناها على أنها الأهم ولربما هناك نقاط أخرى، فإنها تؤكد لنا أن أمامنا فرصة يجب ألا تضيع من أجل بناء موقف تفاوضي بنّاء يُحقق مصالح الدول العربية في الخليج والمشرق العربي ومصر فرادى وجماعات من غير تناقض. وهذا يتحقق عن عدة طرق.
الأولى هو أن يجري بناء ترتيبات لخلق مطبخ عربي من المسؤولين من أجل تنسيق المواقف الموحدة، والتي تخدم المصالح. ولذلك، فإن على وزراء الخارجية العرب الذين اجتمعوا السبت الماضي (الفاتح من فبراير/ شباط) الاتفاق على اجتماعات شهرية من أجل التأمل في الإجراءات التي اتخذت وتقويم نتائجها، وتحديد الخطوات اللاحقة حتى موعد الاجتماع اللاحق.
الثانية هي بناء مصفوفة (Matrix) من الإجراءات والخطوات المطلوبة بالتعاون ليس على المستوى الوزاري والسياسي، وإنما باجتماعات قمة لتأكيد التوافق وتقييم النتائج، واجتماعات لخبراء استراتيجيين لمساعدة الوزراء في اتخاذ المواقف المختلفة.
والثالثة: التعاون والتواصل مع الدول التي لها مصلحة معنا في تعقيل طلبات ترامب، وإقناعه أن الكل يعترف أن أميركا زعيمة العالم الحر (لا أدري أين يقع)، وأن مصالحه يمكن أن تتحقق وفق قواعد أستاذ الرياضيات الأميركي الذي فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد العام 1994 جون ناش (John Nash) الذي أثبت أن قاعدة الصفر ليست هي المثلى لتحقيق المصالح لحساب الأقوى، وإنما في تطبيق قاعدة "دعنا نفوز معاً" (win-win rule) التي أثبتت أنها الأجدى للجميع حيث يضحي كل طرف بقليل لتحقيق الكثير بدلاً من أن يتحمل الخسارة الطرف الأضعف لصالح الطرف الأقوى. ونحن لنا أصلاً مصالح استراتيجية مع هذه الدول.
ودعوني أتوسع أكثر هنا. علاقة الوطن العربي بالدول الأوروبية قوية جداً تاريخياً وحالياً ومستقبلاً. ويجب ألا تبهرنا أضواء الإدارة الأميركية الحالية وتُعشينا عن رؤية الفرص في أوروبا الراغبة فينا والأميل إلى التفاوض معنا وفَهْم مواقفنا. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مجموعة دول الخليج الست والاتحاد الأوروبي 170.1 مليار يورو العام 2023، وحوالي 70 مليار يورو خدمات، وحوالي 200 مليار وأكثر استثمارات مباشرة. وترتبط أوروبا باتفاقيات شراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومع بلاد المشرق العربي ومصر، ودول شمال أفريقيا.
ولعل من المفيد أن نتذكر هنا أن لدى أوروبا القدرة على الاستجابة لتحقيق مصالحها مع الدول العربية وتوسيعها حتى بعدما صرح ترامب بأنه يريد ترحيل 1.5 مليون فلسطيني من قطاع غزه إلى الأردن ومصر. وفي زيارة له إلى بلجيكا مع ولي العهد، حضر الملك عبدالله الثاني توقيع اتفاق شراكة استراتيجية مع دول الاتحاد الأوروبي تمنح أوروبا بموجبها 3 مليارات يورو للأردن خلال ثلاث سنوات. كل هذا الحديث قد انحصر في دول الاتحاد الأوروبي مُستثنياً دولاً أوروبية مهمة أخرى لنا معها علاقات قوية مثل المملكة المتحدة، وسويسرا، والنرويج.
أما بالنسبة للصين، فإن علاقاتنا معها ومصالحنا الاستراتيجية المستقبلية المرتبطه بها كبيرة جداً. والصين هي أكبر شريك تجاري للوطن العربي. وقد زاد مجموع التبادل التجاري العربي الصيني وفقاً للسيد إبراهيم المالكي الأمين العام المساعد للجامعة العربية بنسبة ألف في المائة خلال العقدين المنتهيين العام 2024، والذي بلغ حجم ذلك التبادل فيه 400 مليار دولار. ولربما تصل تجارة الخدمات إلى نصف ذلك المبلغ. وأما حجم الاستثمارات المتبادلة والمباشرة فهي غير محددة في أي مصدر سعيت للحصول على تلك المعلومة منه، ولكنها ربما لا تقل عن 100 مليار دولار.
وللعرب مصلحة كبرى في المبادرات الصينية مثل الحزام والطريق (طريق الحرير) وفي الانضمام إلى مجموعة "بريكس" وإلى المساهمة في بنك آسيا التنموي. دعونا نؤكد أن تقبل الضغوط على الوطن العربي لكي يقلل من تبادله الاقتصادي مع الصين سوف ينطوي على خسائر كثيره لن تقل عن 250 مليار دولار سنوياً، ستتحمل معظمها دول الخليج. فهل نحن في مزاج لنعمل هذا؟ أو هل يحقق لنا أي مصالح؟ قد يكون من مصلحتنا أن نتفاهم مع أميركا خدمة لإبقاء الدولار العملة الدولية لأن معظم أرصدتنا العالمية مستثمرة بالدولار، وليس لنا مصلحة في المدى المنظور لفعل هذا الأمر الذي يشبه اطلاق النار بأيدينا على أرجلنا.
وقس على ذلك مع روسيا التي لا نشك أن مساندتها لنا أثمرت كثيراً في إبقاء أسعار النفط عند مستوى معقول. ولولا التنسيق بين مجموعة (أوبك+) في اتخاذ القرارات، وترك الأمر كله لمزاج الرئيس الأميركي ورغباته، لرأينا النفط ربما يهبط إلى 50 دولاراً للبرميل.
وبذلك لا بد من أن نستثمر الفرصة للدخول في تفاوض هادئ مع حكومة الهند برئاسة ناريندرا مودي الذي وتر العلاقات العربية ــ الهندية. ولنا مصالح كبرى مع الهند تاريخياً وديمغرافياً واقتصادياً وتكنولوجياً وثقافياً. وعلى الحكومة هناك أن تتفهم أن مصالحها معنا أكبر من مصالحنا معها. ولا يجوز أن يرتفع حجم التجارة والاستثمار والعمالة الهندية لصالح الهند في الوقت الذي تزداد فيه الحكومة هناك تحريضاً ضد المسلمين والعرب، وقد قلت هذا الكلام قبل ستة أشهر في مؤتمر للحزب الحاكم الهندي، وقبل الانتخابات الأخيرة لمّا دُعيت إلى هناك لأحاضر عن مستقبل العلاقات العربية الهندية.
وبقي الآن أن ندخل في اتفاقات واضحة وسلوكية مع كل من تركيا المتشوقة لزيادة تعاملها الاقتصادي معنا، ولا نريد أن تزيد الأحزاب القومية المتطرفة عداءها لنا نحن العرب، وإمكانية الوصول إلى اتفاق معهم يضمن الاحترام المتبادل والسلوك الحسن تحت أي حكومه هناك لأن مصالح تركيا معنا كبيرة تجارياً واستثمارياً وسياحياً حالياً ومستقبلاً.
أما إيران فيجب أن نستثمر الفرصة لبناء قواعد سلوكية وضمانات تؤكد فيها رضانا عن دعمها لحق الشعب الفلسطيني على ألا يستخدم هذا الدعم للتدخل في شؤوننا الداخلية. إيران يجب أن تدرك أن فوائدها من علاقات حسن الجوار مع الدول العربية خير لها بكثير من العداء والسماح للمتطرفين بالتباهي أنهم احتلوا يوماً أربع عواصم عربية.
أمامنا فرصة كبيرة إن أحسنّا استثمارها لتصويب علاقاتنا بعضنا مع بعض، ومع الدول الشقيقة والصديقة والتأثير على الرئيس الأميركي ليريحنا من آثار تصريحاته.