غزة بفائض من الألم...يكفينا

 

 

 

هناك فائض من الألم في الشرق الأوسط، ألم عراقي، ألم سوري، ألم لبناني، ألم فلسطيني، الفلسطينيون يعيشون في زاوية آلامهم المديدة من كيان احتل أرضهم وشردهم وما زال يعتدي عليهم، ولذلك كان العدوان مستمراً منذ 76 عاماً، والرغبة في حسم الصراع بالقوة والتدمير والقتل، مجازر غير مسبوقة بتاريخ الشرق الأوسط تجاوزت كل أخلاق وقوانين الحروب، وكأن الفلسطينيين هم الذين وفدوا من أصقاع الدنيا لاغتصاب الأرض، مسؤولين عن الكارثة التي حلت منذ أكثر من سبعين عاماً واقتلاع أهلها، وكأن المقاومة ليست نتاج مائة عام من الاحتلال والمجازر والاعتقال.

البداية كانت بضرورة جمع اليهود من أرجاء العالم في إقليم يمتلكونه ليكونوا أمة يهودية، فكانت فلسطين لتحقيق الحلم، ومنذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 الذي عقده هرتزل وحتى يومنا هذا تعتبر القضية الفلسطينية جزء جوهري من النزاع العربي الإسرائيلي الذي نتج عنه نشوء الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين.

فكرة إسرائيل الكبرى مطروحة منذ قيام الحركة الصهيونية ولكن الفرصة لم تكن موجودة، وبالعودة للتاريخ كل رؤساء الوزراء الإسرائيليين من جولدا مائير إلى بيغن وشارون ونتنياهو كانوا دائماً يتحدثون عن "دولة بدون شعب وشعب بدون أرض"، الفرصة الآن باتت مهيأة بعودة دونالد ترمب إلى البيت البيضاوي، لاحظ ول ديوانت في "قصة الحضارة" أن الامبراطوريات غالباً ما تنتهي بيد المجانين، وهو ذاك المجنون الذي يضع نهاية البشرية، فترمب لا يقر بالقوانين الدولية ولا بالمنظمات ولا حتى بالأمم المتحدة، عراب صفقة القرن التي عرضها صهره كوشنير في ولايته الأولى، اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها متجاوزاً سابقيه من الرؤساء كلينتون وبوش واوباما، ليشعل فتيل الصراع الملتهب أصلاً في المنطقة.

غزة بدمارها الكبير التي أنهكتها الحرب مع مرارة النزوح والجوع تسعى أمريكا للاستيلاء عليها بعد أن دمرتها إسرائيل بشكل كامل وبأسلحة أمريكية، الجديد أن المزاد الآن رسا على ترامب الذي يسعى لتحقيق حلمه بتحويل غزة إلى ريفييرا الفرنسية التي أنقذتها أمريكا من النازية بالحرب العالمية الثانية، فالمخطط العمراني بات جاهزاً وبرج ترمب قيد التنفيذ، طبعاً "بعد إنهاء القتال".

جرت أحاديث عن مشاريع كنا نعتقد أنها غير ممكنة، ولكن الآن بدأ تنفيذها، مشاريع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالغرب مروراً بالشرق الأوسط، من أجل مواجهة خط الحرير الصيني ومواجهة الصين وتمددها في المنطقة، وهذه الخطوط كلها تمر من فلسطين عبر قطاع غزة، وإسرائيل مستفيدة كما أمريكا والغرب ومستمرة وستستمر بحربها في غزة للقضاء على المقاومة الفلسطينية، وعلى كل القوى التي يمكن أن تؤثر على أمنها الاستراتيجي إلى أن يتم تنفيذ هذه المشاريع، وإنشاء خطوط حصرية لأمريكا والغرب تسمح لهم بنهب النفط والغاز والثروات العربية.

إذن لا مرحلة ثانية للاتفاق، ستعيد الحرب أوزارها، وربما حرب واسعة النطاق تشمل دول الطوق، فهاجسهم مما يفعلونه أمن إسرائيل وتحقيق مخططاتها، لا الفلسطينيين، وتمهيد الطريق على حكم غزة بعيداً عن السلطة وعن حماس، لا أفق لاتخاذ أي اجراء لحل سياسي في سياق حل الدولتين وخطط للتهجير، فإسرائيل تحدثت عن تهجير وإعادة احتلال غزة ومجموعة من الأهداف منذ بداية الحرب، وبالرغم من أن الجميع استنكر ما تخطط له إسرائيل، إلا أنه لم يتخطى الضجيج الإعلامي، ولكن ما يحدث في غزة يؤكد ما تنوي إسرائيل فعله وهو يسير في هذا الاتجاه.

في ظل هذا المشهد تغيبت أي افاق لحلول سياسية أو تسويات، لا دولة فلسطينية على الاطلاق، فهل تستطيع الدول العربية وقف هذا القرار من النظرية إلى التطبيق؟؟، مع الأسف، الدول العربية التي يجب أن يكون لها دور في وقف هذه الهمجية ضد الشعب الفلسطيني، نرى أنها مرتبطة بالغرب من الناحية الاقتصادية، بعض الدول يتم تهديدها بقطع المساعدات، والبعض بوقف امدادات القمح، ودول أخرى والتي هي أكبر مصدر للنفط والغاز بالعالم، ليست لديها امكانية استخدامه للضغط على إسرائيل والدول الغربية، وربما الدافع الأساسي وراء سيطرة أمريكا على قطاع غزة ورغم خطورة هذا التصريح، هو تمرير الصفقة الحقيقية وهي الصفقة السياسية مع السعودية لأن بدونها تكون أحلامهم ذهبت مع الريح، ورغم أهمية بيان الخارجية السعودية بسد الطريق، "لا امكانية للتطبيع بدون دولة فلسطينية"، والرهان عليه، ولكن التحديات خطيرة وحاسمة، وبالتالي العالم العربي أمام موقف لا يحسد عليه.

وما بقي للإنسان العربي حالياً سوى الدعاء والبكاء!!!، وفيما لو حدث أي تغيير بالمواقف الأمريكية، ليست رغبة لوقف إراقة الدماء، ووقف المجازر، وإنما لأن المقاومة الفلسطينية في غزة تنتصر وستنتصر، إسرائيل الكيان المصطنع الذي قام على العنف والإرهاب بدعم قوي من المجتمع الدولي، فلولا أمريكا ما كان بالإمكان أن توجد، جيشها مرهق، وجنودها مرعبون، إسرائيل زائلة حتماً، لعنة العقد الثامن ستحل بها، المؤرخ بيني موريس يقول: "أن إسرائيل مكان ستغرب شمسه، وسيشهد انحلالاً، أو غوصاً بالوحل"، فمهما كانت المغريات والمحاولات، ومهما كان هناك ترهيب أو ترغيب، الفلسطيني خلق ليموت ويدفن في فلسطين، بعد التجارب التي مر بها الشعب الفلسطيني أحلاها كان حنظل ومر في اللجوء والنزوح، لن يعبث بمصيره وكرامته استجابة لطلب هذا أو ذاك، فالحروب لا تصنع المقابر، إنما تصنع التاريخ، لا استقرار بالمنطقة دون حل حقيقي وعادل للشعب الفلسطيني، فإما يكون الأمن والسلام للجميع، أو لا أمن ولا سلام لأحد.

 

 

 

 

Loading...