مطالبة دونالد ترمب بضم كندا إلى الولايات المتحدة، وكذلك دعوته للسيطرة على جرينلاند الدنماركية، وتهديده بإعادة احتلال قناة بنما ليست غريبة، لسياقات تاريخية مشابهه حدثت في القرن الـ 19، ففي عهد الرئيس الأمريكي "جيمس بولك" (1845-1849) غزت الولايات المتحدة المكسيك عام 1848، وانتزعت ولايات كاليفورنيا ونيفادا ويوتا، ومعظم ولايتي أريزونا ونيومكسيكو، وأجزاء من ولايتي كولورادو وويومينج. وفي عام 1803 اشترت الولايات المتحدة ولاية لويزيانا من فرنسا، مقابل 15 مليون دولار، كما اشترت ألاسكا من روسيا في عام 1867 بسبعة ملايين ومائتي ألف دولار!!!
لكن الغريب أن يخرج ترمب بنزعته الاستعمارية عن منطقة الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، ويطالب بسيطرة الولايات المتحدة على قطاع غزة، الذي يبعد عن واشنطن نحو 10 آلاف كيلومتر. وفي سعيه لتحقيق ذلك يحاول ترمب التضليل بقوله، إن القطاع لم يعد صالحاً لعيش البشر بعد الدمار الذي ألحقته به آلة الحرب الإسرائيلية، التي تزودها بها بلاده بأسلحة الفتك والدمار، ولهذا يجب إخلائها من سكانها الفلسطينيين إلى مصر والأردن، إما بشكل مؤقت أو دائم، وبعد أن رفض كلا البلدين عرض ترمب، بدأ يتحدث عن دول أخرى لطرد الفلسطينيين دون أن يسميها. إسرائيل التي تفاجأت بتصريحات ترمب (التي لم تتطور بعد كخطة) في البداية، سرعان ما رحبت بها وتلقفتها، وشرعت بالعمل على تطويرها من تصريحات شعبوية إلى خطط بآليات وجداول زمنية.
ورغم اختفاء الاستعمار القديم المتمثل باحتلال دول حول العالم بالقوة العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية، واستبداله بالاستعمار "الناعم" من خلال الهيمنة على المصادر الطبيعية وعلى أسواق الكثير من الدول حول العالم، إلا أن ترمب يطرح النمط الاستعماري القديم لاحتلال غزة، بقوله عندما سئل عما إذا كانت واشنطن سترسل قوات أميركية إلى غزة "إننا سنفعل ما هو ضروري. إذا كان ذلك ضروريا، فسنفعل ذلك. سنستولي على هذه القطعة. سنطورها، ونوفر الآلاف والآلاف من الوظائف، وستكون شيئا يمكن للشرق الأوسط بأكمله أن يفخر به". وعندما سئل أيضا عمن سيعيش في غزة بحسب تصوره، قال "أتصور أن يعيش هناك شعوب العالم"
إن شعوب العالم بالنسبة لترمب كأحد الوحوش الرأسمالية ليست أكثر من "مستهلكين"، فهو يملك "منظمة ترمب"، وهي شركة كارتيل دولية أمريكية أسست في العام 1923، وتتخذ من برج ترامب وسط حي مانهاتن في نيويورك مقراً لها، وتملك العديد من المشاريع التجارية والاستثمارية في الولايات المتحدة وخارجها. ومن مشاريعها خارج الولايات المتحدة تحالفها مع شركة "دار جلوبال" السعودية لبناء فلل بإطلالات على خليج عُمان في العاصمة العمانية مسقط، وبتكلفة تصل لـ 200 مليون دولار. كما أن لترمب مشاريع عقارية وعلامة تجارية في روسيا، رغم نفيه ذلك بعد أن اثيرت قضية ما تعرف بـ "ملف روسيا- ترمب" عندما كان يشغل منصب رئيس الولايات المتحدة في العام الأول من ولايته الرئاسية الأولى.
وبحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" الإسرائيلية، فإن جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، الذي كان أحد كبار المستشارين في البيت الأبيض خلال ولايته الرئاسية الأولى، هو الذي يقف خلف خطة ترامب للسيطرة على غزة وتهجير الفلسطينيين منها. وكان كوشنير هذا قد لمح للفكرة في خطاب ألقاه في شباط 2024 في جامعة هارفارد الأمريكية، بقوله "إن الممتلكات الواقعة على الواجهة البحرية في غزة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة، إذا ركز الناس على بناء سبل العيش" وأضاف كوشنر" إنه وضع مؤسف بعض الشيء هناك، لكنني أعتقد من وجهة نظر إسرائيل، أنني سأبذل قصارى جهدي لإخراج الناس ثم تنظيف المكان، وأعتقد أن إسرائيل لا تريد أن يعود الناس إلى غزة"
إنه لمن السذاجة الاعتقاد بأن ترمب بإمكانه والجيوش الأمريكية وقدرات بلاده السياسية احتلال قطاع غزة، لخدمة مشاريعه التجارية الخاصة، ولكن هذا لا ينفي احتمال اتفاقه مع نتنياهو على تنفيذ مشروعه، في سياق صفقة "مقايضة" معها تقضي باستئنافها الحرب على غزة للقضاء على أي أمل للغزيين لإعادة إعمار مدنهم وبلداتهم ومخيماتهم، وتشديد القيود على إدخال المساعدات المنقذة للحياة، مما قد يجبرون للهجرة الى دول قد تتفق إدارة ترمب معها لتوطينهم، وفي المقابل فإن ترمب قد يعمل على توفير الدعم العسكري والمالي والسياسي لإسرائيل، بالإضافة إلى اعتراف إدارته بسيادتها على الضفة الغربية، أو على أجزاء منها، وإطلاق يدها قتلا وتدميرا في الضفة الغربية بهدف دفع المواطنين للهجرة منها أيضا. وإذا نجح هذا السيناريو فإن ترمب لن يعدم الوسائل لعقد صفقات تجارية بين شركاته وشركات إسرائيلية، لتنفيذ مشاريع "ريفييرا الشرق الأوسط" في غزة، بإقامة المنتجعات فيها واستخراج النفط والغاز من باطن أرضها ومن بحرها وشواطئها.
إن مشروع ترمب لتهجير الغزيين الحالي، يضاف إلى أكثر من أربعين مشروعا لتهجير اللاجئين الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية منذ 1948 إلى اليوم، كان مصيرها جميعا الفشل (رغم أن مشروع ترمب هو الأخطر نتيجة لحالة الدمار والتقتيل الذي ألحقته إسرائيل في قطاع غزة)، فلا هي نجحت في توطين اللاجئين، ولا هي أنستهم حق العودة إلى ديارهم. ومنها مثلاً في العام1949 طرح مستشار وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط "ماك غي"، مشروعا يقضي بإعادة مائة ألف لاجئ إلى فلسطين المحتلة، وتوطين باقي اللاجئين في عدد من البلدان، تلاه مشروع مبعوث الرئيس الأميركي أيزنهاور إلى الشرق الأوسط "إريك جونستون"، قضى بتوطين الفلسطينيين على الضفة الشرقية للأردن. وفي العام 1954 أصدر عضوا بعثة الشؤون الخارجية لمجلس النواب الأمريكي النائبان "سميث وبروتي"، تقريرا أوصى بممارسة الضغط على الدول العربية لتفتح أبوابها أمام استيعاب اللاجئين، وغيرها الكثير من المشاريع البريطانية والأممية التي لا تتسع هذه العجالة لاستعراضها.
إن مشروع ترمب لتهجير الغزيين ليس قدراً، والشعب الفلسطيني في غزة وكافة أماكن تواجده ليس شعباً زائداً على البشرية، كما أن الفلسطينيين ليسوا هنودا حمر، ولكن لئلا تكون مثل هذه العبارات مجرد شعارات فارغة، فإن ما يلزم الشعب الفلسطيني توحيد هيئاته السياسية والمجتمعية واستنهاض كافة قواه لمواجهة "البغاث الذي يستنسر بأرضه".