ما قدمه البيان الوزاري من وعود في مجالات الإصلاح الإداري والمالي والسياسي دون أية إشارة إلى ميكانيكية التنفيذ، يضعنا أمام عالم المثاليات، والذي كان في جزء كبير منه، واقعا عاشه أجيال الستينات والسبعينات. يأخذني هذا الطرح إلى ذكريات تلك المرحلة، حيث كنت صغيرًا في جزء منها، ومراهقًا في الجزء الآخر.
قد يتساءل القارئ: "ما علاقة البيان الوزاري اليوم بحقيقة الستينات والسبعينات؟ هل بدأ الكاتب يخلط بين الأزمنة والأهداف؟"
الجواب ببساطة، عندما أُذيعَ البيان الوزاري، كنت أمر بالقرب من المدينة الرياضية. وهناك، استحضرت ذاكرتي مشاهد حفلات المصارعة التي كانت تُنظم على حلبتها، المحاطة بالمدارج المكتظة بالجماهير من مختلف المناطق والطوائف، وحتى من مستويات اجتماعية متعددة، الذين جاءوا ليشجعوا، أو يمكن القول، ليساندوا الأخوين سعادة "أندريه وجان"، في معركتهما ضد المصارع الأمريكي "داني لينش". كان هذا الأخير لا يوقفه شيء؛ حيث كان يسقط خصومه على الأرض، ثم يقفز متجاوزاً الحبال، مهاجماً الجمهور دون أدنى اعتبار لعناصر "الفرقة السادسة عشر"– كما كانت تسمى آنذاك –التي كانت جزءًا من قوى الأمن الداخلي في تلك الفترة...
لقد كانت المدينة الرياضية حلبة للمصارعة، ورأيتها اليوم تُحضّر لتكون ساحة للصراعات!
بعد عدة أيام، كنت أستمع إلى نشرة الأخبار، حيث ورد خبر حضور ممثلين عن أكثر من 70 دولة للمشاركة في تشييع السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، مع تسليط الضوء على الوفود القادمة من أمريكا الجنوبية. قمت بمقارنة هذا الخبر مع أخبار الأيام الماضية، حينما كان الحديث عن الزيارة التاريخية للجوهرة السوداء، ملك كرة القدم، بيليه، الذي حضر إلى لبنان للّعب مع نادي النجمة على أرض ملعب المدينة الرياضية.
في تلك اللحظات، اختلطت الأصوات بين الخارجي الذي تَمثّل في الرموز السياسية التي ستشارك في التشييع، والداخلي الذي أعاد إحياء أسماء اللاعبين الذين شاركوا بيليه في تلك المباراة الاستثنائية: حبيب كموني، كاظم عليق، يوسف الغول، إبراهيم فقيه، سمير العدو، سمير نصار، إضافة إلى حافظ عمار وسهيل رحال وغيرهم من الأسماء التي تعكس تاريخ لبنان القديم – ألف رحمة عليه!!
من عادتي أن أحدّث نفسي في الأمور المعقدة والجدّية، لأنني مقتنع أنه في حال حدوث خلاف معها، لن يكون هناك إطلاق نار ولا قطع طرق، ولا أي نوع من الفوضى. لهذا، قررت أن أركز على البيان الوزاري الذي كان سبباً لهذه المقارنة التي دارت بيني وبين نفسي، وانتهت بي إلى العودة إلى ما قاله ونستون تشرشل، حين خاطب مجلس العموم البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية قائلاً: "ليس لدي ما أقدمه سوى الدماء، والجهود الشاقة، والدموع، والعرق." هذا الخطاب وضعه في مصاف الشخصيات التاريخية العظيمة...
المطلوب الكثير من الواقعية والقليل من الأحلام من جهة؛ أمّا من الجهة الثانية، فالمطلوب الكثير من التواضع والنزول من السماء لملامسة الأرض، وإلّا فالإعمار بيد الله.