في 22 فبراير 2025 الماضي و خلال مراسم تسليم الأسرى في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة، قام الجندي الإسرائيلي الأسير، عومير شيم توف، بتقبيل رأس اثنين من عناصر كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، تلك القبلة كانت بمثابة "قنبلة نووية" هزت كيان الاحتلال على أكثر من مستوى وأكثر من صعيد رغم أنها كانت لحظة عاطفية بمنتهى التلقائية والعفوية أراد من خلالها الأسير الإسرائيلي عومير شيم توف التعبير عن حالتين انتابتا مشاعره، الأولى: فرحته الغامرة بخروجه من الأسر الذي أمضى فيه خمسة عشر شهراً، كان يمر كل يوم عليه ثقيلاً بطيئاً يحسب فيه الوقت الذي يمكن أن يضيعه نتنياهو في ألاعيبه وحيله لإدامة الحرب، ومحاولاته الفاشلة في إثبات صوابيه نظريته التي تتحدث عن إخراج الأسرى بالضغط العسكري فقط هذا عدا حالة الهلع والخوف من هذه الفرضية القاتلة والتي تسببت بموت عدد من الأسرى (إسرائيل قتلت 33 أسيراً خلال محاولات تحريرهم)، أما الحالة الثانية: فكانت حالة الامتنان لحراسه من عناصر القسام الذين أحسنوا معاملته على مدى سنة ونصف السنة تقريباً.
من أهم الاهتزازات التي أحدثتها قبلة عومير هي الصدمة التي انتابت نتنياهو شخصياً وفريقه الوزاري للدرجة التي لم يجد فيها نتنياهو ما يقوله بشأن هذه القبلة فقرر إبلاغ الوسطاء بضرورة إبلاغ حماس بعدم إجراء مراسم التسليم الاحتفالية التي تجريها عادة، وأعاد على مسامع جمهوره الاتهام لحماس وعناصر القسام بأنهم وحوش بشرية إمعاناً في تشويه صورة المقاومة وتلطيخها بالأكاذيب بعد انتشار لقطة قبلة عومير على وسائل التواصل الاجتماعي في إسرائيل ومن الملفت للغاية أن هذه اللقطة لم تنشر صورتها ولا في أي وسيلة إعلام إسرائيلية وبخاصة في الإعلام المرئي الأمر الذي يدلل على زيف ادعاء هذا الكيان بالديمقراطية وحرية التعبير، وحتى الصحيفة الأكثر ليبرالية والأقل صهيونية "هارتس" لم تنشر الصورة ولم تعلق عليها والسبب هو الاستمرار في نزع صفة الإنسان عن الفلسطيني وإلصاق صفة التوحش به وعدم ترك أي مجال لظهور الفلسطيني على حقيقته كضحية، والإسرائيلي كمجرم حرب ونازي.
عائلة عومير حاولت تبسيط المشهد أو تسخيفه، حيث وصف والده، مالكي شيم توف، ابنه بأنه شخص منفتح ويحب الجميع، مشيراً إلى أن ابتسامته العريضة خلال مراسم التسليم تعكس شخصيته الإيجابية، وأضافت جدته سارة أن هذا التصرف يتماشى مع طبيعته في التعامل الودود مع الجميع، حتى مع أفراد حماس.
شدني للغاية مشهد تقبيل عومير لرأسي المقاتلين من القسام وحاولت إيجاد تفسير نفسي أو سلوكي لهذا التصرف الخارج عن المألوف والمفاجئ، واعتقدت للوهلة الأولى أن ما جرى مع عومير هي متلازمة "ستوكهولم" (هي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو مَن أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يُظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف. وتسمى أيضاً برابطة الأَسْر أو الخطف حيث تُظهر فيها الرهينة أو الأسيرة التعاطف والانسجام والمشاعر الإيجابية تجاه الخاطف أو الآسر، تصل لدرجة الدفاع عنه والتضامن معه).
ولكن بعد البحث اتضح لي "وهذا اجتهاد شخصي" أنه ما جرى لا تنطبق عليه "متلازمة ستوكهولم" وأن التفسير الأكثر ترجيحا هي المعاملة الإنسانية الحسنة والراقية التي عومل بها الأسير وزملائه من قبل حراسهم وهو أمر ترك أثراً إيجابياً لديهم مما جعل عومير يعبر عنه بالامتنان بتقبيل رأسي حارسي القسام، وهذا هو الأمر المرجح لأنه منذ الدفعة الأولى في 24 نوفمبر 2023 حتى الدفعة الأخيرة التي كان فيها عوفير أطلقت حماس سراح 33 أسيراً إسرائيلياً ولم يصرح أي من المفرج عنهم عن سوء معاملة خلال فترة الأسر.
مثلما سُجلت متلازمة ستوكهولم عام 1973 في واقعة سرقة البنك في تلك المدينة، أعتقد أن علم النفس السلوكي سيسجل بعد فترة ما يمكن تسميتها بمتلازمة (غزة) أي حب وإعجاب الأسرى الإسرائيليين بآسريهم من المقاومة، وحسن معاملتهم وكرم أخلاقهم وهي قيم لم يتعلمها من يخدمون في جيش الاحتلال بل إن عقيدتهم الدينية والعسكرية تحرضهم على إساءة معاملة الأسرى والتنكيل بهم حتى وإن كانوا جثثاً.