تعيش منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن وأقرب للانفجار، إنه الطوفان الأمريكي في منطقة مبعثرة ومفتتة على نحو مروع جداً، بعد أن تم أو يتم تدمير مقدرات الشعوب العربية، وتفتيتها إلى مكونات طائفية واشعال الحروب المذهبية التي أضعفت هياكلها المؤسسية، وكأنها شعوب بلا تاريخ ولا تراث، وهل ثمة مشهد أشد هولاً، لا الصراع العربي الإسرائيلي، ولا الصراع العربي- الايراني، ولا الصراع العربي- التركي، بل الصراع العربي- العربي، ألسنا أمام صراع فلسطيني- فلسطيني، وصراع لبناني- لبناني، وصراع عراقي- عراقي، وصراع سوداني- سوداني، والآن أمام صراع سوري- سوري، أدى إلى وضع لم تكن إسرائيل تحلم بما هو أفضل منه، الأداء الهستيري الدموي لحكومة اليمين المتطرف في إسرائيل لم تحرك ساكناً، ولم تؤد إلى يقظة الشعوب والجيوش العربية، فقط شجب وتنديد وإعراب العرب..!!!
اذ لم تعد القضية الفلسطينية أولوية الشعوب العربية منذ انتفاضات الربيع العربي وما نتج عنها من توترات في معظم الدول العربية، الانقسام الفلسطيني الداخلي بعد اتفاقيات أوسلو في التسعينيات والتي سحبت الخيار العسكري وربطت اقامة دولة فلسطين بالمفاوضات وهذا ما جعل اقامة الدولة رهناً بموافقة إسرائيل، وإسرائيل لا تريد هذه الدولة، لأن اقامة دولة فلسطينية يشكل النقيض التاريخي للحركة الصهيونية وبالتالي تغيير جوهري من طبيعة إسرائيل وأهدافها، والأخطاء التي ارتكبت في اتفاق أوسلو والاعتراف بحق إسرائيل بالوجود وإقامة دولته والتنسيق الأمني الذي جعل الفلسطيني ينهي مقاومته قبل نهاية الصراع وتحصيل حقوقه حتى بالحد الأدنى، كانوا يتصورون أنهم يستطيعون تهمش القضية الفلسطينية بإجراء عمليات التطبيع بشكل كامل وأخرها مع السعودية، ولكنهم تفاجأوا بطوفان الأقصى وموقف عربي رسمي جامع وإن كان ظاهرياً لأنهم لا يستطيعون تجاهل موقف شعوبهم التي تدرك أن المسؤولية الكاملة عن المصير المرير الذي قاساه الشعب الفلسطيني قبل حرب 1948، وفي أثنائها وبعدها تقع على عاتق الدول العربية وخاصة بعد أن انخفض السقف العربي والدولي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وشروط حلها.
ما يقارب 300 مليون عربي وصرخات 2,5 مليون غزاوي تقتلهم الطائرات الصهيونية على مرأى ومسمع من الجميع وبين غزة وما تبقى من جيوش العرب التي تدك أراضي أبنائها وتذبحهم بدم بارد واقع عربي مذل ينتظر مولوداً ربما قمة من القمم المزعومة لإحلال السلام هذا المولود قد يموت حنقاً بالممارسات الإسرائيلية أو يموت بفعل العجز والاهمال وخيبة الأمل من الحكام العرب، فليس من الحكمة عندما يواصل عدوك عدوانه الهمجي عليك أن تواصل أنت الحديث عن السلام، الإسرائيليون لا يقاتلون الا عبر الأمريكيين وترمب كما أسلافه حقق في إسرائيل انجازات كبيرة وما ينبغي فعله وكأنه صهيوني ومن أشد الصهاينة تطرفاً وهذا ما أكده في الحرب الدائرة حالياً في غزة، "فإسرائيل ولاية أمريكية"، وهو من يشرف على سير العمليات الإسرائيلية شخصياً فربما هكذا يكون الحلفاء؟!! والعرب لا يفاوضون الا عبر الأمريكيين ولكن شتان بين الاثنين كل شيء يدل أننا لا شيء.
تزاحمت اللقاءات والقمم والأحداث والضحية واحدة هي فلسطين، هو الشعب الفلسطيني في الداخل أو في الشتات واللجوء، فالأمم المتحدة تتحدث الآن من خلال لجنة حقوق الانسان عن عملية تطهير عرقي وقتل جماعي ونظام عنصري، فالموضوع ليس مرتبط بتمرير مؤونة وماء وكهرباء ولكن بالصورة الأشمل مواقف انسانية، ربما يكون هناك حد أدنى للاتفاق حول مسألة المساس بالمدنيين وهو أمر غير مقبول، ورفض ممارسات الاحتلال واقامة دولة فلسطينية حق طبيعي وقانوني وتاريخي للشعب الفلسطيني، وغير مرتبط بالمفاوضات وما يسمى بعملية السلام.
العرب يتقهقرون وإسرائيل تتقدم نحو الحلم "إسرائيل الكبرى"، فالفرصة الآن باتت مهيأة أفكار امبراطور البيت الأبيض ترمب بتغيير الخرائط، متزامناً مع التوغل الإسرائيلي في المنطقة، ما حدث ويحدث في غزة، وما يحدث في لبنان، وما يحدث في الجنوب السوري وعبر الخاصرة الدرزية ثمة مظاهر خطيرة، ألا يعيد راهناً مشروع برنارد لويس حول اعادة ترتيب الخرائط وتفتيت الشرق الأوسط إلى مكوناته الدينية العرقية والمذهبية والعشائرية، الذي تبناه الكونغرس عام 1983، اذن شرق أوسط بقيادة إسرائيل باعتبارها طليعة الحضارة الغربية بالمنطقة، هذه الرؤية التي طرها لويس وتبناها المحافظون الجدد وتدور السياسة الأمريكية في اطارها عملية اعادة هيكلة وتطوير نسخة سايكس بيكو عام 1916، التي لم تعد صالحة حسب تقييم برنارد لويس، قال شمعون بيريز: "إن العرب جربوا قيادة مصر للمنطقة مدة نصف قرن، فليجربوا قيادة إسرائيل".
القضية الفلسطينية باتت حاضرة عند الشعوب العربية وحتى عند الحكام العرب وأصبحوا "شاءوا ام أبوْا" كأمة عربية بمواجهة تحالف غربي أمريكي داعم لإسرائيل، ولكن العالم بوضع مختلف عما سبق فالولايات المتحدة الأمريكية اذا لم تتدخل باستئناف عملية السلام سوف تتضرر مصالحها الاستراتيجية في الاقليم وهي تدرك ذلك وخاصة أنها وحلفائها تحتاج إلى الطاقة والنفط والموقف العربي لمواجهة الأقطاب الصاعدة، والعرب يشعرون أنهم يملكون أوراق قوة وبالتالي يستطيعون أن يتفاوضون من موقع جيد "ان شاءوا"، وان كان فريق ترمب يرى أن المفاوضات ينبغي أن تعقد بين طرف ربح كل شيء، وطرف خسر كل شيء، وفي الصراعات لا ربح مطلق، ولا خسارة مطلقة.
نتنياهو يضع المنطقة على حافة الخطر لن تنجو منها الا بموافقته على وقف الحرب على غزة، ولكن الحرب الاقليمية التي خطط لها ستذهب حتى النهاية وباتت على مشارفها، فالضربة الإسرائيلية على محور المقاومة كانت شديدة على إيران ومن الصعب ترميمه، وهي تدرك عمق المأزق فالخياران أمامها، الدبلوماسي والعسكري، بالدبلوماسية المجنونة أمريكا تحشد للرد وليس لإشعال حرب كبرى، ربما حرب على مقاسها ولكنها مغامرة خطيرة، فهي تدرك مدى التداعيات الكارثية على المصالح الأمريكية، فإيران "المرشحة لدخول النادي النووي قريباً"، قوة لا يستهان بها ولا أحد يعلم حجم التعاون مع روسيا والصين، وخاصة بعد الحرب الأوكرانية التي أدت إلى استقطاب عالمي، روسيا تراقب التصعيد في المنطقة ومفاوضات غزة بحذر، وقد يكون هناك تحول في طبيعته عند توسع الحرب في المنطقة بمشاركة أمريكا وحلفائها، ستجد روسيا نفسها جزء منه ومضطرة للتدخل مع الصين "التي رفضت أي قرار أممي لا ينص على هدنة انسانية، ووقف الحرب"، نصرة لحلفائها، وإن كان نتنياهو يعتبر أن قنبلة نووية واحدة كافية لتغيير المشهد إلى الأبد.