إن الدعوة التي وجهها الناشط الاسرائيلي غيرشون باسكين عبر جريدة "القدس" يوم أمس الأربعاء، لتشكيل لجنة ثنائية لبناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تبدو في ظاهرها، محاولة للبحث عن حلّ للصراع، لكنها تتجاهل جذور المشكلة، وهي الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان وإنكار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بل حتى وجودهم اليوم. فالثقة لا تُبنى في ظلّ نظام استعماري استيطاني يرفض الغير، ولا يمكن الحديث عن أي خطوات نحو "السلام" دون الاعتراف بالحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها إقامة دولة مستقلة على ما قبل حدود 4 حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حل قضية اللاجئين وحقوقهم وفق القرار الأممي 194.
بناء الثقة يبدأ بالاعتراف بالحقوق، لا بتجاهلها
إذا كان غيرشون باسكين صادقاً في دعوته للسلام – وهو يحاول أن يكون كذلك – فإن أولى خطواته يجب أن تكون حثّ المجتمع الإسرائيلي على الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والسيادة والاستقلال الوطني، وإنهاء الاحتلال بأشكاله كافة، بما يشمل وقف الاستيطان وإنهاء مظاهره منذ بداياته، ورفع الحصار عن غزة، ووقف سياسات الإبادة والتهجير القسري والاقتلاع العرقي في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس. إن أي مبادرة لا تقوم على أسس العدالة والمساواة والحقوق التاريخية ليست سوى محاولة لتجميل الوضع القائم وإطالة أمد الاحتلال تحت مسمى "بناء الثقة".
إسرائيل لا تحتاج إلى بناء ثقة، بل إلى إنهاء سياستها الاستعمارية
الحديث عن بناء الثقة وكأنه مسار مستقل عن إنهاء الاحتلال هو في جوهره هروب من المسؤولية، ووضع الفلسطينيين والإسرائيليين على قدم المساواة في تحمل مسؤولية الصراع، بينما الحقيقة أن إسرائيل هي القوة المحتلة والتي تضطهد شعباً أخر هو صاحب الأرض الأصلاني، وهي التي تمارس الاستيطان الاستعماري والتمييز العنصري، وتفرض واقعاً استعمارياً إحلالياً لا يترك مجالاً لأي ثقة أو شراكة حقيقية، وبالتالي لن يكون شعبها حراً طالما استمرت بذلك. كيف يمكن للفلسطينيين الوثوق بمن يحتل أرضهم ويهدم بيوتهم ويقتل أبناءهم يومياً، ثم يطالبهم بالتحلي بالصبر وبناء الثقة؟
لا معارضة حقيقية داخل إسرائيل، والفاشية تتفشى في مفاصل الدولة
في ظلّ صعود الفاشية داخل إسرائيل، والانقلاب على ما يُسمى بالديمقراطية، فإن الحديث عن وجود معارضة إسرائيلية حقيقية يصبح موضع شكّ. فقد باتت قوى "المعارضة التقليدية" متفقة على استمرار الاحتلال والاستيطان، بل إنها لا تملك أي موقف جادّ ضد السياسات العنصرية والاستعمارية للحكومات المتعاقبة. إن ما نراه اليوم هو تحوّل إسرائيل إلى كيان استعماري إحلالي ذي وجه فاشي متنامي، حيث تقبل حتى "المعارضة التقليدية " بتكريس القمع والاستعمار، مما يجعل أي حديث عن شراكة سياسية مع أقطاب من هذا النظام الاستيطاني ضرباً من الوهم وخداع الذات.
إن صعود الفاشية في إسرائيل ليس مسألة تخص الفلسطينيين وحدهم، بل إنها تؤثر حتى على مستقبل اليهود أنفسهم في العالم، تماماً كما حدث في أوروبا خلال صعود النازية والفاشية في القرن الماضي وما تبع ذلك من محارق بحق الأوروبيين التي رفضناها دائما. إن التاريخ يعيد نفسه، وما نشهده اليوم في إسرائيل بدعم اليمين الفاشي الأمريكي والأوروبي قد يؤدي إلى عواقب كارثية على المدى البعيد بحق كل شعوب المنطقة بل والعالم أيضاً.
وإذا كان باسكين جاداً في رؤيته للسلام، فعليه أن يدعو المجتمع الإسرائيلي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، تماماً كما يُذكر بمقاله باعتراف الفلسطينيين بإسرائيل في اتفاق أوسلو الذي أدى بعد تنكر حكومة إسرائيل له إلى ما تعيشه المنطقة اليوم. فهذا هو المعيار الحقيقي لتجسيد حلّ الدولتين كخيار دولي، وليس مجرد طروحات رمزية لتلميع صورة الاحتلال. أمّا الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق، فهو جزء من مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يتمدد اليوم مستنداً إلى رؤية الحركة الصهيونية العالمية والادعاءات التوراتية والتطبيع الإقليمي والدعم الاستعماري الغربي المستمر وتحديداً الأمريكي منه.
لا استعمار بوجه إنساني
إن تكرار مشاريع "التعايش" و"بناء الثقة"، دون إنهاء الاحتلال أولاً، ليس سوى محاولات لتشويه طبيعة الصراع وإضعاف حركة التضامن الدولي المتصاعدة مع القضية الفلسطينية التحررية.
الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى مشاريع رمزية توحي بأن الاحتلال يمكن أن يكون "لطيفاً" أو "مؤقتاً"، بل إلى اعتراف دولي واضح بضرورة تفكيك النظام الاستعماري بالكامل.
إن التعامل مع إسرائيليين "معارضين" ليس مرفوضاً بالمطلق وهو أمر يبتعد عن الواقعية السياسية، لكنه يجب أن يكون وفق أسس سياسية واضحة تنطلق من معاداة المنظومة الاستعمارية ككلّ، وليس من منطلقات تحسين صورتها أو محاولة إصلاحها من الداخل. على هؤلاء المعارضين أن يعلنوا موقفهم بوضوح تجاه الاحتلال والاستيطان والتهويد وإقامة أوسع جبهة جماهيرية مع القوى العربية في إسرائيل للعمل من أجل ذلك، وإلا فإنهم يصبحون جزءاً من المشكلة وليس الحلّ. إن التاريخ علمنا أن الصمت والتواطؤ مع الأنظمة الفاشية يؤدي في النهاية إلى كوارث لا تقتصر على شعب بعينه، بل تطال الجميع.
لا يمكن بناء الثقة مع منظومة استعمارية
سيد غيرشون باسكين المحترم، لا يوجد استعمار بوجه إنساني، ولا يوجد "إسرائيلي جيد" داخل منظومة استعمارية إحلالية، طالما لم يخرج بشكل واضح وصريح عنها ويرفضها. المطلوب اليوم ليس البحث عن "شركاء لبناء الثقة "، بل العمل على تفكيك النظام الاستيطاني الاستعماري بالكامل، وهي مسؤوليتكم أنتم أولاً في شوارع إسرائيل، قبل أن تطلبوا من الفلسطينيين الثقة بنواياكم أو بحماية أمنكم.
إن الطريق إلى السلام لا يمرّ عبر لجان رمزية، على أهمية الحوار وفق أسس رفض منظومة الاستعمار، بل عبر إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. حينها فقط يمكن الحديث عن سلام عادل تحتاجه شعوب المنطقة دون شك بعد أكثر من مائة عام منذ بدء المشروع الاستيطاني على أرض فلسطين، وليس عن إدارة استعمارية جديدة بقناع مختلف.