في اليوم التالي لإعلان ترمب عن ريفييرا الشرق الأوسط الخيالية، قلنا في "مسار" أن الرئيس المزهو بفوزه الساحق في الانتخابات، والذي يتصرف كما لو أن في يده عصاً سحرية، أو تفويضاً إلهياً، يجعله يقول للشيء كن فيكون، سوف يتراجع عن "ريفييرته" بفعل اصطدام الخيال بالواقع.
الخيال هو تصور الرئيس المقاول بأن كل شيء في الدنيا، يمكن استثماره بالمال، بما في ذلك تهجير أكثر من مليوني ونصف المليون غزّي إلى الأردن ومصر، وإلى أي بلدان تقبل بهم في العالم، وأضاف موضحاً لخياله بأن الذين سيهجرهم لن يعودوا ثانية إلى غزة.
كل هذا يندرج تحت بند الخيال الذي هو في الواقع أقرب إلى الوهم الذي يستحيل تحقيقه ولا حتى بعضاً منه.
أمّا الصيغة التي أرغمته عن التراجع كما قدّرنا فهي رفض الدولتين المعنيتين وهما مصر والأردن، لاستقبال مبعدٍ غزّي واحد تحت أي ظرفٍ من الظروف، كذلك رفض العالم كله بما في ذلك من يسمون بحلفاء أمريكا لخطط "الريفييرا" الخيالية، باعتبارها لغة سياحية استثمارية تجسد الوجه الآخر للتطهير العرقي.
والحقيقة الأساس هي أن الشعب الفلسطيني يرفض تحويل الوطن إلى مشروع سياحي، وهذا ما أظهره الغزّيون بذات القوة التي أظهرها الشعب في كل مكان.
لقد تراجع ترمب عن مشروعه الخيالي بفعل قوة الحقائق أمام شطحات الخيال، وهذا ما يدعونا إلى تقدير آخر وهو الأهم، أنه كما تراجع دون إعلان مباشر عن صفقة القرن – سيئة المنشأ والذكر - وكما تراجع عن "ريفييرته" التي لم تجد مؤيداً لها سوى سموتريتش وبن غفير، وكما تراجع عن سياسته تجاه أوكرانيا التي كاد يبيعها لولا الإجماع الأوروبي على مساندتها وحمايتها، كما تراجع عن ذلك كله، فينبغي عليه حكماً أن يتراجع عن مواقفه المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني التي استبدلها بدعمه للأطماع الإسرائيلية في أرضهم وحاضرهم ومستقبلهم.
لا ننتظر منه صحوة ضمير، وإنما استيقاظاً على الحقائق التي تقول إن فلسطين لأهلها، وإن شعباً يفوق عديده الستة عشر مليوناً فوق أرضهم وفي الشتات، يستحق دولة حقيقة قابلة للحياة.
وفي هذه الحالة.. يتعين على رئيس أكبر دولة في العالم أن يختار الحقائق وليس الخيال والأوهام، أن يختار بين العالم كله وبين بن غفير وسموتريتش ونتنياهو.