من يحكم إسرائيل؟

أزمة الهوية والانقسام في ظل طبيعة الدور الأمريكي القائم والعودة إلى الإبادة

عودة القصف على قطاع غزة

في أجواء العودة اليوم إلى مقتلة الإبادة المستمرة بشروط بن غفير ومباركة نتنياهو، تشهد إسرائيل اليوم واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخها السياسي، وهي تعبير عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالمؤسسة الإسرائيلية، والتي تصاعدت حرب الإبادة بنتيجة عنها إلى حد كبير. حيث تتداخل الأزمة الداخلية مع تحولات كبرى في العلاقة مع الولايات المتحدة الشريك الإستراتيجي الأهم، في وقت تتسارع فيه إرهاصات التحول بالنظام الدولي والمتغيرات بالإقليم.

فمع تصاعد الخلافات بين جناحي المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، القومي والديني الصهيوني المتطرف من جهة، والجناح الصهيوني الليبرالي والأمني المهني من جهة أخرى، تتسارع التطورات نحو نقطة قد تكون حاسمة لمستقبل دولة الاحتلال الاستعماري واستقرارها الداخلي. هذا إضافة إلى عوامل الإدانات والعزلة الدولية على المستوى الخارجي وانعكاساتها على الداخل الإسرائيلي إلى جانب قضية الأسرى وتحركات الشارع الإسرائيلي.

فمنذ بداية الانقلاب القضائي الذي سعت إليه حكومة بنيامين نتنياهو قبل عامين، برزت أزمة عميقة داخل إسرائيل بين المعسكرين، الأول يمثله التيار الصهيوني الديني المتطرف، الساعي للسيطرة على مفاصل الدولة وتعزيز الطابع اليميني الديني المتطرف للحكم، والثاني يقوده التيار الصهيوني الليبرالي الذي يخشى من انهيار "أسس الديمقراطية وفصل السلطات" داخل الدولة التي نفسه رسخها في إطار الوجه الاستعماري لها طيلة فترة سيطرته منذ تأسيس هذا الكيان أو الدولة لصالح حكم أكثر استبدادية. هذه المواجهة ليست مجرد صراع على النفوذ، بل هي إعادة تشكيل جوهر الدولة الإسرائيلية وطبيعة هويتها الاستعمارية. حيث يسعى اليمين القومي الديني لإحداث تحول جذري في طبيعة الحكم والسيطرة المطلقة على مفاصله ومؤسساته، بينما تحاول المؤسسة الأمنية الحفاظ على توازن داخلي يحفظ ما تبقى من الاستقرار وفق علاقاتها بالتيار الليبرالي الصهيوني حتى اليوم، والتي يحاول نتنياهو واليمين الديني إطباق السيطرة عليها من خلال الإقالات والتعينات الجديدة في هذه المؤسسة الأمنية.

الخلافات الأخيرة بين أقطاب حزب الليكود اليميني الحاكم نفسه، والخلاف بين نتنياهو ورئيس جهاز الموساد والشاباك وقبل ذلك مع وزراء في حكومته ورئيس الأركان والمستشار القضائي، تعكس هذا الصراع العميق داخل أروقة هذه الدولة. ففي حين يواصل نتنياهو تعزيز سيطرة القوى الدينية القومية، يُبدي الجهاز الأمني مخاوفه من تداعيات هذه السياسات على الاستقرار الداخلي وعلى العلاقة التي تحقق مصالحهم مع الفلسطينيين والعرب من جهة ومع الإدارة الأمريكية من جهة أخرى، خاصة في ظل التصعيد في الضفة الغربية والقدس من جانب حكومة الاحتلال وما تشهده تطورات المفاوضات الجارية حول غزة من خلال الولايات المتحدة التي لا يريدها نتنياهو.

الولايات المتحدة، أزمة داخلية وتراجع في التأثير.

بالتوازي مع ما يحدث داخل إسرائيل، تواجه الولايات المتحدة انقسامات حادة تهدد استقرار نظامها السياسي إلى حد ما ولأول مرة منذ الحرب الأهلية هنالك بين الشمال والجنوب التي قامت على أسس التفسيرات الدينية. فإدارة الرئيس ترمب التي عادت للحكم وسط انقسامات حزبية عميقة وصراع على السلطة، تبدو غير قادرة على توحيد سياساتها تجاه الشرق الأوسط وهو ما ينعكس بتضارب مواقف ترمب وعدم استقرارها وحتى بشأن أوروبا أيضاً التي تواجهه بمزيد من سياسات العسكرة وتشديد الاصطفاف ضد روسيا. وهي أمور تضاف إلى ما يعاني منه ترمب من اضطرابات مرضية نفسية واعتقاده "بفهلويته" التجارية وشجاعة وقاحته وتغول قوى رأس المال الفاشي في إدارته، مما يترك إسرائيل في وضع أكثر تعقيداً اليوم ونتنياهو أكثر انفلاتا.

الانقسامات داخل الحزب الجمهوري من جانب، والصراع بين البيت الأبيض والكونغرس كما والصراع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري من جانب آخر، أضعفت قدرة الإدارة في واشنطن على التدخل بحسم في الأزمات الإقليمية، مما يمنح نتنياهو فرصة للاستفادة من هذا الوضع السياسي والإداري الأمريكي لمواصلة أجندته الداخلية دون ضغوط جدية وفي ظل رغبة أمريكية بفتح الحوار والتفاوض المباشر حتى مع حماس ونظام الأمر الواقع في سوريا بهدف تمرير مشروعها بالمنطقة.

لكن السؤال الذي يبرز هنا هو، هل تستمر واشنطن في دعم إسرائيل دون قيد أو شرط وبغض النظر عما يدور بالشأن الداخلي الإسرائيلي، رغم تصاعد التوترات الداخلية فيها؟ أم أن الانقسامات الأمريكية بالرأي ستؤثر في النهاية على مستوى الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل وقدرة الإدارة الأمريكية على التدخل بالشأن الداخلي بإسرائيل، خاصة إذا تزايدت الأصوات التي ترى أن تل أبيب أصبحت عبئاً استراتيجيا بدلاً من كونها حليفا لا غنى عنه؟ وذلك بمقابل قاعدة الدعم العقائدي والديني الواسع من جانب آخر الذي تحظى به إسرائيل هنالك من القاعدة الانتخابية لترمب واتساع تأثير المسيحية الصهيونية. وهو ما يؤشر إلى نتيجة توافق ترمب مع نتنياهو لعودة جرائم الإبادة وتعميق الأزمة القائمة داخلياً.

تداعيات الأزمة على العلاقة مع الفلسطينيين

كل هذه التحولات تلقي بظلالها علينا نحن الفلسطينيين مع الاحتمالات الكبيرة لإعادة إرهاب الحرب على غزة، وهو ما يجري منذ صباح اليوم بحق شعبنا في غزة منذ ساعات الصباح. فمع تزايد سيطرة القوى الدينية القومية داخل إسرائيل التي تؤسس لفاشية الحكم، وتراجع دور المؤسسة الأمنية بقيادتها السابقة التي كانت تميل إلى إبقاء حالة "الهدوء الأمني" النسبي بما يحقق مصالحهم إلى حد ما، يصبح اليوم المشهد أكثر خطورة أمام تغول اليمين الفاشي فيها بعد الإقالات. حكومة نتنياهو، مدعومة باليمين المتطرف القومي والديني، باتت تتبنى نهجا أكثر تطرفاً ووحشية تجاه شعبنا الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية بما فيها القدس أو في غزة، مما يفتح الباب أمام تصعيد أكبر قد يصل إلى نقطة اللاعودة، وهو ما يدفع نتنياهو باتجاهه نحو تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى بما في ذلك انتهاك سيادة أراضي لبنان واليمن وسوريا وشؤونهم الداخلية خاصة المتعلقة بوضع الدروز ودورهم.

في المقابل، فإن ضعف الدور الأمريكي في ضبط الإيقاع داخل إسرائيل يجعل من الصعب فرض أي حلول سياسية الآن. حيث فقدت واشنطن قدرتها على التأثير المباشر كما كان الحال في الماضي. هذا يضعنا نحن الفلسطينيين أمام واقع جديد، حيث تتحول إسرائيل إلى كيان أكثر عنصرية وتطرفاً، بينما تواصل الولايات المتحدة دعمها بفعالية رغم أوضاعها القائمة ورغم اشكالات في شكل العلاقة دون جوهرها.

نحو أي مستقبل؟

ما يجري اليوم داخل إسرائيل ليس مجرد خلاف سياسي عابر باعتقادي، بل هو إعادة تشكيل لهوية الدولة وطبيعة علاقتها مع العالم ومنهم اليهود المنتشرين بدول مختلفة خاصة بالولايات المتحدة. في ظل هذا المشهد، يبدو أن الاستقرار الإسرائيلي بات مهدداً ليس فقط من الخارج، بل من الداخل أيضاً. فهل تصل هذه الأزمة إلى نقطة الانفجار، أم أن النظام السياسي الإسرائيلي سيتمكن من استيعاب هذه التناقضات كما فعل في السابق؟

أمام ذلك، فنحن الفلسطينيون نقف أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم استراتيجياتنا في ظل واقع إسرائيل التي تتجه نحو مزيد من الفاشية المتوحشة، وواشنطن التي تبدو أقل قدرة على فرض التوازنات كما في الماضي وفقا للعوامل والمحددات التي أشرت لها بالمقال هذا.

 في النهاية، فإن التطورات داخل إسرائيل وأمريكا ليست مجرد أحداث منفصلة، بل هي تحولات مترابطة ستحدد تطور أحداث ومستقبل المنطقة بأسرها كما ومسار تَشكُل النظام الدولي الجديد، الذي يتوجب البناء على محركات مجرياته ودفع العرب للاحتذاء بمواقف قادة أمريكيا اللاتينية أو أيرلندا ودول البريكس وحتى معظم دول الجنوب العالمي في تحدي السياسات الأمريكية بهدف دفعها للتراجع من خلال موقف ورؤية وطنية فلسطينية واضحة موحدة وجريئة يتبناه العرب أمام  هذا المشروع الصهيوني الذي يرفض بالأصل فكرة التسوية ووقف الحرب، بل استمرار مخطط التجويع والتهجير وتقويض وجودنا على أرضنا بدعم أمريكي.

 

Loading...