ينقسم المجتمع الإسرائيلي، من جنود الاحتياط على حدود غزة وحتى قضاة العليا ومحللي وسائل الإعلام، تحت الحكم الحالي إلى مجموعتين، هما المقتنعون بأننا نعيش في مجال الحالة الطبيعية، وان كل شيء سبق أن كان، ولكل جنون سابقة، وأولئك المقتنعون بأن نتنياهو والعصبة من حوله حطموا كل القواعد. ينتمي رونين بار بشكل واضح إلى المجموعة الثانية.
في الحرب مثلما في الحرب، وفي الجنون مثلما في الجنون، يقول رونين بار لنفسه ويتصرف بناء على ذلك. هو لا يعتزم الاستقالة، وفي واقع الأمر لا يعتزم أيضا أن يكون مُقالا. سيحترم بالطبع قرار إقالته، لكن القرار بترك منصبه لن يكون في يده. سيكون في يد المستشارة القانونية للحكومة، وفي يد محكمة العدل العليا. طالما توجد إجراءات فلن يرحل. من لقاء الإقالة مع نتنياهو عاد إلى مكتبه لليلة عمل طويلة. ليس بسبب نتنياهو، بل بسبب غزة.
لا فكرة لدي إذا كان تحدث عن إقالته مع غالي بهرب ميارا، لكن يوجد بين الاثنين الكثير من القواسم المشتركة: التقدير المتبادل، جبهة واحدة، قلب من فولاذ، وروح قتالية.
وبالفعل، في البيان الذي أصدرته المستشارة، أول من امس، بنت عائقا أول، ذا مغزى، أمام تنفيذ الإقالة: "لا يمكن فتح إجراء إنهاء ولاية"، كتب غيل ليمون، مساعدها، "منصب رئيس جهاز الأمن ليس وظيفة ثقة شخصية لرئيس الوزراء".
عندما دخل رونين بار، أول من أمس، إلى اللقاء مع نتنياهو بدأ بالسؤال: استناداً إلى ماذا تتهمني (في البيان الذي أصدره نتنياهو) بالابتزاز؟ متى ابتززتك؟
استنادا إلى مقال سيما كدمون في "يديعوت أحرونوت" قال نتنياهو.
قصد مقال زميلتي سيما كدمون، الذي نشر، يوم الجمعة قبل الماضي. "يجدر به أن يفكر جيدا قبل أن يقيم عليه رؤساء (الشاباك) على أجيالهم"، كتبت عن نتنياهو. "فبعد كل شيء، يدور الحديث عن أناس يعرفون شيئا أو اثنين عنه".
بار، الذي سمع بضعة أمور غريبة في حياته، تحت قيادة نتنياهو أيضا، ذُهل. لم يسبق لي أبدا أن التقيت أو تحدثت مع سيما كدمون، قال لنتنياهو.
مع كل الاحترام لسيما – وثمة الكثير من الاحترام – مقالها في الصحيفة لا يمكنه أن يكون دليلا لتبرير إقالة رئيس "الشاباك". هذا جنون.
من لديه ذاكرة طويلة يتذكر – وكيف لا – قضية الشريط الساخن في العام 1993: توجه نتنياهو إلى مقابلة عاجلة في التلفاز اتهم فيها دافيد ليفي وصحبته بنشر شريط يكشف علاقات حميمة مع عشيقته في الفترة ذاتها. هم يحاولون ابتزازي، ادعى. كانت هناك عشيقة بالفعل؛ أما الابتزاز فلم يكن.
رونين بار شخص مذهل، ذو قدرات استثنائية. يحتمل أن إسرائيل ستكسب لو أنه كان رئيس الوزراء، وكان نتنياهو يدعى إليه، إلى مكتبه، للقاء إقالة. لكن المواجهة بينهما خطيرة. فهي تقربنا من نوع من الحرب الأهلية، حاليا بلا سلاح، لكنها باتت في مرحلة فقدان الثقة وانعدام الطاعة في أجهزة الأمن. التمييز الذي يجريه بار بين المملكة والملك يجتذب القلب، لكنْ في حالة "الشاباك" إشكالي: وظيفة الجهاز هي أيضا حماية المملكة، وكذا الملك، والملكة والأمير أيضا.
إذا كان سبب الإقالة هو التحقيق في قضية قطر غيت، فهذا اقل غرابة. ثمة شيء ما غير سليم، والأدق شيء ما نتن في عمل مساعدي رئيس وزراء في خدمة دولة أجنبية. لا يمكن طمس تحقيق كهذا. من المعقول أيضا الافتراض بأن الهوة بين نتنياهو وبار فغرت فاها بالتدريج، على خلفية الاحتجاج. يؤمن نتنياهو حقا بوجود دولة عميقة، وبالمؤامرة التي يحيكها رجالها ضده. هو يؤمن بأنهم يتآمرون لتصفيته أو ابتزازه. الجهد الذي بذله بار في الدفع قدما بصفقات مخطوفين فاقم الوضع. لم يرَ نتنياهو بعين جميلة لا الصفات ولا الموقف المستقل لبار. ليس صدفة أنه نحاه عن فريق المفاوضات.
خطاب الولاء، الذي ألقاه نتنياهو بعد عودته من واشنطن، هو المفتاح: إذا كان مسموحا لترامب، فمسموح له أيضا. فكل شيء يبدأ به.
القول الغبي لنداف ارغمان في المقابلة التي منحها ليونيت ليفي كانت على ما يبدو القشة التي قسمت ظهر البعير. فسر نتنياهو أقوال ارغمان كتهديد. مثلما هو الحال دوما، افترض بأن عصبة كاملة، مؤسسة كاملة، تتآمر ضده: ينسق ارغمان مع أولئك الذين سبقوه ومع من جاء بعده. يحاول ارغمان ابتزازه. إذا لم يرد فهو قابل للابتزاز. لذا فهو ملزم بأن يفعل شيئا ما يتجاوز الشكوى العليلة، السخيفة للشرطة. فقرر القيام بفعل ما. كانت هذه مساهمة متواضعة من ارغمان في إقالة بار.
ندخل على ما يبدو إلى أيام قتال معزز في غزة، بدون صفقة، وبدون مخطوفين، وبدون أن يتلقى الجمهور تفسيرا لماذا نحن نسير عسكريا. أزمة ثقة في ظل القتال.
ستنتهي المواجهة الدستورية حول إقالة بار، ومن شبه اليقين بتعيين رئيس "شاباك" جديد. مهمته الأولى ستكون التصدي لازمة داخلية (نجح بار في منع هزات داخل الجهاز بعد 7 تشرين الأول. الإقالة تخلق وضعا جديدا). تسريع إجراء الإقالة للمستشارة القانونية للحكومة ينتظر خلف الزاوية. وقوفها إلى جانب بار سيكون مدماكا إضافيا في لائحة الاتهام ضدها. "شاباك" آخر، نيابة عامة أخرى، ولاحقا محكمة عدل عليا أخرى، وقوانين أساس أخرى. رئيس الوزراء فقد الكوابح وهو سيتحكم بنا كما يشار، وتسير الحكومة الفاشلة وراءه. أهذا طبيعي؟ تماما لا.
عن "يديعوت"