مقالات مختارة

الديمقراطية الإسرائيلية تلفظ أنفاسها | آري شافيت

 

 

 

 

 

في الوقت الذي تستأنف فيه الحرب في غزة، فإن الديمقراطية الإسرائيلية تنازع. أمام ناظرينا ترتجف آخر رجفاتها. لكن ما يتسبب بالموت والعذاب لحكم الشعب ليس ألوية الدبابات التي تحاصر مجلس النواب. ما يؤدي إلى موت حكم القانون ليس سيطرة جموع فاشية على المحكمة العليا. الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية تلفظ أنفاسها؛ لأن مسيرة سريعة من تفكك المعايير تستأنف في البلاد. فلا دين ولا ديان. لا قواعد ملزمة. كل شيء شخصي، وكل شيء قبلي، وكل شيء بالقوة. الغاية تبرر الوسيلة. الثقافة السياسية الديمقراطية تخلي مكانها لثقافة سياسية شمولية – استبدادية.
الجولة الحالية من الحرب الأهلية الفكرية بدأها رئيس الوزراء قبل يوم من استئناف القتال. لم يكن كافيا لنتنياهو أن تكون الثورة الدستورية، التي بادر إليها في كانون الثاني 2023، قد أوقعت علينا كارثة تشرين الأول 2023. لم يكن كافيا لنتنياهو انه بعد هدنة سنة عاد ليدفع قدما بالثورة الدستورية المحملة بالكارثة في ذروة الحرب. لم يكن كافيا لنتنياهو انه لأجل حماية حكمه سوغ التملص من الخدمة لنحو سُدس القوة البشرية التي يحتاجها الجيش لأجل أن ينتصر في المعركة. والآن، ضاقت عليه الطريق كي يقيل المستشارة القانونية للحكومة ورئيس «الشاباك» على حد سواء.
رغم أن بيبي مصاب بتضارب مصالح واضح، فهو يدفع قدما بقوة بخطوة مزدوجة تستهدف السماح له بأن يسيطر على كل مراكز القوة في الدولة. بروح ترامب وبروح أوربان وربما حتى بروح بوتين، يسعى رئيس السلطة التنفيذية ليكون زعيماً أعلى وحاكماً قوياً. فهو لم يعد معنياً بتوازنات تبقيه متوازنا وبكوابح تكبح جماحه.
الجولة الحالية من الحرب الأهلية الفكرية واصلها رئيس «الشاباك». لم يكن يكفي رونين بار أنه على مدى سنوات ولايته كرئيس جهاز المخابرات ذي الصلة عانت إسرائيل من العمى في كل ما يتعلق بغزة. لم يكن يكفي رونين انه في الليلة التي بين 6 و7 تشرين الأول تصرف بسخافة وإهمال إجرامي. لم يكن كافيا لرونين بار انه يتحمل مسؤولية مباشرة عن كل عملية اختطاف وعن كل عملية اغتصاب وعن كل عملية قتل نفذت في النقب الغربي يوم «المذبحة». أبو الإخفاق طور فكرا شبه مسيحاني حول الفريضة المقدسة التي توجب أن يبقى رئيس «الشاباك».
مستشارون استراتيجيون تولوا المهمة، وصحافيون كبار تلقوا الإحاطات. والرأي العام تمت هندسته. جُندت كل الوسائل لأجل أن يعرض الإنسان الذي خان ثقة شعبه ودولته كدرع للشعب ومنقذ للدولة. وبناء على ذلك نشر أيضا تحقيقا، هو لا تحقيق، بدلا من أن يجري حسابا حقيقيا للنفس يلقي بالذنب على المستوى السياسي. وعندها، عندما فعل بيبي فعلة لا تفعل، رد رونين بفعلة لا تفعل. بوقاحة لا توصف، أوضح رئيس الجهاز السري بأنه لن يطيع رئيس الوزراء المنتخب. تمرد علني لجهاز الأمن العام ضد الديمقراطية الإسرائيلية.
ظاهراً، نتنياهو وبار مختلفان جدا. الأول سياسي محنك ببدلة فاخرة والثاني مقاتل قيمي وجريء بـتي شيرت. لكن في الحقيقة هما متشابهان. بطلا المأساة يتناوشان بشكل جوهري على المسؤولية التي يتحملانها عن الكارثة الأفظع التي وقعت على الشعب اليهودي منذ المحرقة. كلاهما متمسك بكرسيه. كلاهما يوضح أن القواعد لا تنطبق عليهما، والقانون صغير عليهما. نتنياهو وبار على حد سواء يؤمنان بالإيمان المسيحاني ذاته: الدولة هي أنا.
الأزمة هي أزمة التلينا. أمام شواطئ السيادة الإسرائيلية تبحر سفينة التمرد لرونين بار المدعومة بالوسيمين أصحاب الغرة الشقراء واللقب. نتنياهو يطلق النار من مدفع غير مقدس على صوت الجماهير الذين يشعرون بأنهم ملاحقون ومقموعون. لكن ما لا يوجد هو مناحم بيغن. لا يوجد زعيم يطأطئ الرأس أمام القانون والمعايير. لا يوجد مسؤول يأخذ على عاتقه حسم الأغلبية وإرادة الشعب. بعد 77 سنة الديمقراطية الإسرائيلية تنتحر.

عن «يديعوت»

 

 

 

 

 

 

Loading...