كم تمنينا وما زلنا نتمنى أن تتوقف الحرب على غزة، كي يتوقف مسلسل القتل الجماعي الذي تمارسه قوة إسرائيل العاتية والغاشمة، وكي ينجو من الدمار ما تبقى من بيوت ومرافق يلوذ بها الغزيون طلباً للحياة.
خسائرنا في الحرب كبيرة وموجعة، غير أن الأمر ليس هكذا فقط، ومن جانبنا وحدنا، بل إسرائيل... مالكة المفاعل النووي وسلاح الجو الذي يصل إلى أي مكان، ويخلّف فيه دماراً شاملاً، ومالكة التحالف الاندماجي مع أمريكا، التي تنقاد وراءها معصوبة العينين، إسرائيل مالكة كل هذا أصيبت بلعنة غزة من داخلها، حيث الانقسام والصراع فيه ملامح حربٍ أهلية تطل برأسها من خلال الانفجارات الداخلية التي تجاوزت في عمقها واتساعها الطبقة السياسية سواء في السلطة أو المعارضة، لتصل إلى الشارع الذي لا يعرف الهدوء.
صحيح أن الأغلبية تؤيد الحرب، ولكن معظم هذه الأغلبية يعترض على أداء الحكومة لها والكيفية التي يستثمر فيها نتنياهو الحرب في لعبة بقاءه في السلطة، وهذا يجسّد انقساماً جدياً وصفه الكثيرون في إسرائيل بمقدمات حربٍ أهلية، قد لا تكون على نمط ما اشتعل من حروب داخلية جرت في محيطها الشرق أوسطي ولكنها ووفق المحللين الإسرائيليين ستكون على الطريقة الإسرائيلية، بحيث يفضي الصراع الداخلي المتفاقم إلى تفكيك مؤسسات الدولة العميقة، وهذا ما بدت أعراضه بالظهور من خلال الاقتتال الشرس على المؤسسة الأمنية التي اجتاحتها تصفيات نتنياهو، وآخرها حتى الآن إقالة رونين بار رئيس الشاباك، والتي سبقتها إقالات منها على سبيل المثال لا الحصر، إقالة وزير الدفاع غالانت، ويرافق ذلك الانقضاض على المؤسسة القضائية بالإعداد لإقالة المستشارة القضائية جالي بهراب ميارا وفوق ذلك تلميح نتنياهو بعدم الامتثال لقرارات المحكمة العليا التي لا تناسبه.
ما يجري في إسرائيل بفعل "لعنة غزة" كبيرٌ ومهم وغير مسبوق في تاريخ الدولة العبرية، وهذا أمرٌ بديهي ومنطقي بل ونتيجة حتمية، لقتل عشرات ألوف الأطفال وذوييهم، وتدمير بلد بكامله، والتورط في حرب على عدة جبهات لا ترى نهايةً لها... لعنة غزة وضعت إسرائيل في ورطة لا مخرج منها، ولعلها من المرات القليلة أن تتداول عبارة الحرب الأهلية.
هذه المرة ليست على لسان صحفي معارض، أو مواطنٍ ساخط، وإنما على لسان الرئيس الأسبق للمحكمة العليا أهارون باراك، الذي وصف الوضع في إسرائيل كقطار ينحدر إلى الهاوية، ما يضع الدولة أمام الانزلاق نحو حربٍ أهلية.
كل هذا لم يحدث مثله من قبل، ولا مغالاة لو نُسب للعنة غزة التي لن تنجو إسرائيل منها مهما قتلت ودمرت.