اليهود العرب... قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية

يهودا شنهاف شهرباني

 

 

 

 

 

في قلب التاريخ المتشابك للشرق الأوسط، يطرح كتاب "اليهود العرب قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية" لكاتبه يهودا شنهاف شهرباني مفهومًا جديدًا للعلاقة بين اليهود والعرب متكئًا على سيرته الذاتية بصفته يهوديًا عربيًا ترجع أصول عائلته إلى العراق.

يطرح شهرباني في قراءته هذه معاناة جيله من اليهود بسبب حالة الإنكار التي تعرضوا لها ووجود فروقات جوهرية تتعلق بالمشاكل الإثنية في "إسرائيل" واعتبار أي نقاش يتناول هذه المسألة من التابوهات المحرمة باعتبارها قضية سياسية أكثر من كونها إنسانية. وفي البحث في جذر القضية نجد أن الفكر الصهيـوني وبُنـاة الدولة – الكيان، لم يضعوا باعتباراتهم مسألة اليهود العرب بشكل متساوق ومتساوٍ مع اليهود القادمين من أوروبا إلى فسطين واعتبار أن التاريخ القومي اليهودي ينتمي للتاريخ الأوروبي ويُعتبر فرعًا من فروعه بل؛ حتى أنه لم يُعمد إلى أي تواصل مع طائفة اليهود المتواجدين في فلسطين منذ قرون وشكلوا جزءًا من النسيج الإجتماعي في البلاد.

ومما لا شك فيه فإن الحركة الصهيونية تُعتبر حركة ذات فكر عنصري، إذ منذ بواكير الهجرات اليهودية واحتلال فلسطين عمد مفكروها وبناة الدولة – الكيان إلى فصل اليهود القادمين من أوروبا عن أولئك القادمين من الدول العربية، فتقرر آنذاك تسكين الفئة الأولى القادمة من أوروبا في مخيمات المهاجرين فيما تم وضع اليهود العرب في مَحميات أسموها مخيمات العبور في صحراء النقب. هذا التقسيم والفصل المبني على أساسٍ إثنيٍّ أثّر في الهوية اليهودية، إذا ما تم التسليم جدلًا بأن الديانة اليهودية تُعتبر هوية قومية.

في قراءة موضوعية لفكرة الكتاب يتبدى بوضوح ما عمد إليه الكاتب لنقد وتفكيك السرديات التقليدية حول العلاقة ما بين اليهود الشرقيين – العرب – والصهيونية، وجدلية العلاقة ما بين الهوية القومية لليهود ذوي الأصول العربية والانتماء ببعديهما الإجتماعي والسياسي، كما يؤكد على تركيز الحركة الصهيونية على الشخصية القومية الصهيونية التي كانت تصبغ توجهات الحركة الصهيونية وفكرتها التي تجسدت باسم خطة المليون يهودي والتي جرت ما بين العامين 1941-1945، وكيف تم تأسيس شركة "سوليل بونيه" في عبدان الواقعة على الحدود الإيرانية العراقية والتي كانت نواة لتحقيق فكرة استجلاب يهود العراق.

تجدر الإشارة في سياق هذا الموضوع إلى أنه وعلى مدى قرون شكل اليهود العرب جزءًا أصيلًا في المجتمعات العربية، فمن مصر إلى سورية والعراق إلى اليمن وتونس وحتى شمال إفريقيا عمومًا، اعتُبروا جزءًا من النسيج المجتمعي على حدٍ سواء مع مواطنيهم في تلك البلاد وأسهموا في اقتصادها وثقافتها ولم تتسبب إثنيتهم في إي أشكال بل أن التناغم والهرموني تجلى بوضوح بين يهوديتهم وعروبيتهم. لقد ركز شنهاف في بحثه هذا على تأثير وتأثر طبقة المثقفين اليهود في الحضارة الإسلامية واستخدامهم للغة العربية في كتاباتهم وتواصلهم مع محيطهم ومشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية.

*اليهود العرب بين الولاء والانتماء *

ونظرًا لاهتمامي الجاد في موضوع اليهود العرب ورغبتي في سبر غور علاقتهم مع محيطهم العربي والفلسطيني على وجه الخصوص، بادرت وقبل سبع سنوات بالاتصال بأحد الأصدقاء الفلسطينيين من مدينة أم الفحم المحتلة وأطلعته على فكرتي فأخذ على عاتقه أن يجمعني بثلاثة منهم أحدهم عراقي يتجاوز عمره آنذاك الثالثة والثمانين والثاني مغربي كهل أيضًا والثالثة محاضرة في الجامعة العبرية من بخارى. التقيت بهم برفقة مجموعة من أصدقائي الفلسطينيين إضافة للصديق الآنف ذكره، لقد صدمني اليهودي العراقي وقد غالبته دموع الحنين بقوله أتمنى لو أعود إلى نينوى! ولما سألته مستغربة وما يمنعك؟ أجاب أن (السلطات الإسرائيلية تعتبر من يفكر بهذا الموضوع والعودة إلى بلده الأصلي أنه "يهودي كاره نفسه") ولنا في المفكر اليهودي إيلان بابيه وغيره من المؤرخين الجدد مثال. هذا بالإضافة لإشكاليات يعلمها أغلبنا ولا يتسع المقال لذكرها علمًا بأنه وكما كل فرد في دولة الكيان المحتل قد خدم في الجيش وشغل مرتبة متقدمة فيه!

أما لماذا لم أُنجز بحثي المنشود فذلك أن فدائيًا عتيقًا أشار عليّ بالتوقف وعدم الخوض في هذا المجال خوفًا من أن يصِمَني البعض بشبهة التطبيع وأنا منها براء، فأخذت بنصيحته وانكفأت عن إتمام البحث.

وبالعودة إلى الكاتب يهودا شنهاف وكتابه المثير للجدل يقول أنه ومع صعود النزعات القومية وتأسيس دولة الكيان عام 1948 واجهت الهوية تحديات جسيمة حين بدأ تعريف وتصنيف اليهود العرب في سياقات قسرية تُناقِض تاريخهم العريق، فظهر التناقض ما بين القومية التي شكلت هويتهم والهوية اليهودية المفروضة قسرًا عليهم.

لقد عمِدت الصهيونية كحركة قومية ذات جذور أوروبية إلى فصل اليهود العرب والشرقيين عمومًا عن محيطهم الأصلاني وصهرهم في بوتقة المشروع الكولونيالي الإستيطاني، مما اضطرهم إلى إعادة تشكيل هويتهم وتعريف أنفسهم كيهود شرقيين لاغين إرثهم العروبي، كما عملت الصهيونية على استغلال التوترات السياسية في العالم العربي بداية من أواخر القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين ، إذ واجه اليهود العرب موجات تهجير قسرية نتيجة ضغوط محلية أو طوعية نتيجة عمليات مدبرة نُفِّذت لصالح المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، وكذلك السعي لاستقدام أيدي عاملة من اليهود العرب. وبحسب شنهاف فإن استقبالهم عشية احتلال فلسطين وتأسيس دولة الكيان كمواطنين، وُضِع في درجة أدنى من اليهود الأوروبيين "الاشكناز" الذين سيطروا على كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية. وهم والحال كذلك، وجد اليهود العرب أنفسهم على هامش المجتمع – التجمع الإسرائيلي وفي تناقض فعلي مع ثقافتهم الأصلانية التي أُرغِموا على التخلي عنها، وبين هوية قسرية إسرائيلية لم تحقق لهم ما وُعِدوا به بل؛ مورست ضدهم أشكال التمييز العنصري في السكن وفرص العمل والتعليم ووجدوا أنفسهم في هامش اجتماعي يخدم الهيمنة الإشكنازية.

يسلط يهودا شنهاف الضوء في كتابه هذا كيف حافظ اليهود العرب على إرثهم الثقافي وبطرق غير رسمية بالرغم من محاولات الطمس وما واجههم من عقبات في هذا الجانب بالرغم من تمكن بعض الأجيال من استعادة هذا الإرث والتأكيد على هويته اليهودية العربية في مجالات الفن والموسيقى والأكلات العربية، حتى أن البعض استمر في الكتابة باللغة العربية وإن تجلى ذلك في فضاءات محدودة.

يقترح الكاتب، وبعيدًا عن الثنائية التقليدية بين عربي وإسرائيلي العمل على إعادة النظر في السرديات القومية التي تجاهلت التعددية، وفهمًا أكثر لهوية اليهود العرب.

لعل ما يميز هذا البحث أن الكاتب لم يعمد إلى تقديم سرد تاريخي بل؛ يطرح نقدًا سياسيًا وثقافيًا للوسائل التي اتبعتها الصهيونية لتشكيل الهوية في سياقات استعمارية وقومية متناقضة.

في قراءة لهذه المخطوطة نخلص إلى نتيجة مفادها أن اليهود العرب في دولة الاحتلال ومن حيث الانتماء يتخبطون بين ثقافتين متنافرتين، فبينما تسعى إسرائيل إلى تذويبهم في بوتقة غربية إلا أن إرثهم العربي ظل يتأرجح في وجدانهم ما بين الإنكار والتأكيد وما بين التذكر والنسيان.

لقد نجح شهرباني من خلال توظيفه المنهج والنظرية ما بعد الحداثية النقدية في تفكيك الرواية الصهيونبة الرسمية حول اليهود العرب وقدم مساهمةً نقديةً في نفي فكرة الأمة اليهودية كقومية وكشف زيفها. لقد أوضح الكاتب في الفصل الخامس من الكتاب وعنوانه "اليهود العرب والذاكرة التاريخية الصهيونية" كيف عمدت الصهيونية إلى تشكيل الذاكرة الجمعية للإمة الإسرائيلية! من خلال تأليف وبناء صور الماضي المرتبطة بأصول الأمة وتطورها على مدى الزمن والايهام بتشكيل مقاطع محددة من الماضي حيث باتت هذه الرواية مجتزأة بصورة جلية يصعب تجاوزها. كما بين في الفصل ذاته أن العمل على إقامة  "المنظمة العالمية لليهود من البلدان العربية" كان القصد منها أن تكون كردٍ على منظمة التحرير الفلسطينية، بتبنيها لخطاب مفاده أن اليهود لهم تاريخ راسخ في الشرق الأوسط، وبالتالي جرى تبادل للسكان الفلسطينيين واليهود  - حسب الادعاء الصهيوني – بحكم الأمر الواقع بمعنى؛ تعويض الأملاك التي فقدها العرب واليهود بشكل متبادل!

ختامًا الحق أقول أن كتاب "اليهود العرب" ليس مجرد تحليل أكاديمي بقدر ما هو شهادة على تعقيدات الهوية والانتماء ودعوة لإعادة التاريخ لإدراكٍ أكثر وعيًا وإنصافًا بعيدًا عن النقل والمتوارث من السرديات المنحازة، بل إنه كتاب يفتح بابًا للتفكير بوعي حول معنى أن يكون اليهود العرب عربًا ويهودًا في آن معًا ومحاولة استيعاب الاختلاف الإثني والقومي، وأغلب الظن أن هذا لن يتحقق في ظل كيان عنصري يوهم مستجلبيه أن الديانة اليهودية ممكن أن تشكل قومية.

يُذكر أن كتاب اليهود العرب صادر عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع وقام بترجمته عن الإنجليزية إلى العربية ياسين السيد.

 

 

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...