صراخنا إلى بقايا العرب... السودان يحتضر...!!

 

 

 

 

كما لو أننا لسنا الدول الرثة والشعوب الرثة بتفككنا القبلي والطائفي والأخلاقي، جنرالات تعمل بصراعاتها العبثية بخلفية قبلية لحساب حلفائها، تتنافس على مستقبل السودان وتسعى منذ سقوط البشير لتصبح الرجل الأول في السودان، تفجر الصراع على السلطة والنفوذ بين الجانبين أدى إلى مرحلة لم يعد بالإمكان تجاوزها، تتخذ أبعاداً متسارعة تزيد المخاطر وتهدد الوضع الأمني والانساني في البلاد، جعلت السودان بمواجهة تحديات قاسية ومفتوحة على تطورات وسيناريوهات حرجة رغم المساعي المبذولة لإنهاء هذا الصراع المسلح من خلال المفاوضات أو الضغوط الدولية، يواجه السودان مستقبلاً غامضاً مع قناعة كل طرف بتحقيق النصر، ولكن ليس هناك أية مؤشرات لمعادلة صفرية تمنح طرف الخسارة وتمنح الطرف الأخر الربح، حرباً لن يكسبها طرف سيخسرها الجميع، الوطن وأبناءه، يتوقع وزير الاعلام السوداني السابق فيصل محمد صالح أن يشهد السودان تحولات كبيرة "فالحرب في السودان وصلت إلى نهايتها المنطقية ولم يعد أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما، فإما اتفاق لوقف اطلاق النار يسبقه حواراً سياسياً حول مستقبل البلاد، وإما الانهيار الشامل والدخول في متاهة لا يمكن التنبؤ بعمقها ولا احتمالات الخروج منها".

يقع السودان في خضم شبكة مصالح وتقاطعات اقليمية ودولية واسعة القت بظلالها على المشهد السياسي السوداني تاريخياً في ظل موقعه الافريقي المتميز وباعتباره ورقة مهمة تخدم مجموعة مصالح في سياق التوازنات الدولية، ولطالما اجتذب موقع السودان الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر واحتلاله شطراً كبيراً من نهر النيل الذي جعله يمتلك حدوداً بحرية عظيمة وامتداداً لمنطقة القرن الافريقي ذات الأهمية الاستراتيجية ومنطقة عبور وملتقى بين أوروبا وافريقيا وآسيا وكونه مجاور للدول النفطية في الشرق الأوسط والخليج العربي، إلى تقوية المصالح والنفوذ في منطقة تتبارى فيها الدول الكبرى على الحصول على المزايا والمنافع المختلفة لها، حيث يوجد في السودان الكثير من الموارد الطبيعية الكامنة ويعتبر ثالث منتج للذهب في افريقيا بالإضافة إلى المساحات الزراعية الشاسعة مع توافر مياه الشرب والثروات المعدنية، عادة الجيوبوليتيك تقوم برسم استراتيجيات وتصورات سياسية مستقبلية على ضوء تفاعلات البشر والجغرافيا ومع ذلك لم يستطع السودان الاستفادة من وفرة الموارد الطبيعية ومساحته الشاسعة وعدد سكانه لتحقيق نمو اقتصادي وأن يصبح دولة اقليمية قوية منافسة لدول عربية مثل مصر والسعودية ولم يستثمر حدوده البحرية لامتلاك قوة بحرية تجعله عاملاً مؤثراً وحساساً في موازين القوى والسياسات الدولية فإذا به على حافة المجاعة.

خُيل للبعض أن الآمال سوف تتحقق في خروج الشعب السوداني من غياهب عقود من الاستبداد والصراع الداخلي والعزلة الاقتصادية التي عانت منها البلاد في عهد عمر البشير، وتشكيل دولة مدنية ديمقراطية وخاصة بعد توقيع الاتفاق الإطاري عام 2022، ولكن بدأت تطبق سيناريوهات أخرى متجاهلة التحول الديمقراطي وتسليم الحكم للمدنيين، بدأها الجيش بالمحافظة على النظام السابق مع تغيرات طفيفة لحماية النفوذ والثروة، وبدأ الصدام بين الجيش وميليشيات قوات الدعم السريع الذين يعتقدون أنهم نخبة النخبة، وما فعله البشير "بتشكيلهم كجيش مواز غير تابع" أنه خلق انشطار بالعقيدة العسكرية، الأزمة في السودان صراع عسكري على السلطة، وهناك أطراف سياسية وعسكرية كانت وراء قرار الحرب دفعت الجيش لإطلاق الشرارة الأولى (1 /4/ 2023) بحسابات خاطئة على حسم الحرب لصالحها بحرب قصيرة، ولكن الطرف الآخر كان مستعد لمواجهة لم تقف عند حدود الدفاع عن النفس بل سيطر على مواقع استراتيجية، وهذا ما حققه بالأيام الأولى للحرب، واستمرت الحرب بين مد وجزر لشهور طويلة مرت بمراحل مختلفة بينها مواجهات وقتل، وهم يتحملون تداعيات هذه العقيدة الانتهازية.

لم تنحصر الحرب الدائرة في السودان بين قوتين عسكريتين عبد الفتاح برهان وحميدتي فحسب، بل يحاول كل طرف استخدام شبكة حلفاء للحصول على الدعم، الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بمواجهة التأثير الروسي، ولا يخفى على أحد أن دولاً بعينها تدعم أطرافاً داخل السودان عسكرياً ولوجستياً منها دول عربية ودول غربية، ولكل منهما شبكة من العلاقات والحلفاء نسجاها منذ سنوات خلال توليهما مسؤوليات مختلفة خلال حكم البشير ولكل منهما موارده المالية الخاصة، اذ يتمتع حميدتي بعلاقات دولية قوية مع روسيا واثيوبيا والسعودية والامارات "شارك بحربهم في اليمن"، ويملك ورقة اقتصادية قوية اذ تدير قواته العديد من مناجم الذهب في افريقيا، مع وجود عمليات تهريب للذهب من افريقيا تقدر بمليارات الدولارات سنوياً عن طريق الامارات التي تعتبر بوابة لتهريب ثروات شعوب افريقيا وخصوصاً السودان وليبيا إلى أوروبا وروسيا، وحسب وكالة رويترز في تحقيق أجرته قبل عام، تعد الامارات أكبر مشتري للذهب المنتج بشكل رسمي، طبعاً الذهب مقابل الدعم، بالمقابل يعول البرهاني على دعم دولي بعد حصوله على دعم أمريكي، ونيته التطبيع مع إسرائيل وانضمامه إلى اتفاقيات ابراهام، ويحظى بدعم مصر والقوى الاسلامية التي تعتبر السودان العمق الاستراتيجي لها، والجديد في المشهد السوداني هو إيران التي تزود الجيش  بالطائرات المسيرة.

بعد دخول الحرب عامها الثالث المواجهة مفتوحة في طول البلاد وعرضها خلفت أوضاع مأساوية وأرقام مفزعة لمأساة انسانية ما بين قتيل وجريح، وكما في كل حرب النزوح بدا مشهداً يومياً، والوضع ينذر بمزيد من الكوارث على المستوى الانساني انتهاكات وجرائم حرب خطف واغتصاب وتمييز عرقي وايديولوجي، فضلاً عن الانهيار الاقتصادي والتضخم وارتفاع معدل البطالة وتدمير البنية التحتية، واستمرار الحرب يوفر غطاء لهذه الجرائم والانتهاكات، ولإيقافها يجب ايقاف الحرب أولاً، السودان يحتضر بإطالة الحرب وتراجع الأمل في السلام، وربما تنتهي الحرب بانهياره وتمزقه وتشتته وابادة مجموعات من سكانه، والخوف من انزلاق السودان إلى حرب أهلية مفتوحة ودخوله إلى خط الصراع بين أطراف اقليمية ودولية، وقد يتحول إلى حرب بالوكالة بين دول اقليمية ودولية تسعى لتعزيز نفودها في المنطقة، ويكون ضحية تداعيات التراجع الأمريكي في العالم، صراخنا إلى بقايا العرب، ولكن أين العرب؟؟ العرب أعداء العرب، فالسودان كما غزة، يحتضر!

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...