في خضم واحدة من أكثر الحروب تدميراً وإبادةً، يواجه الفلسطينيون في غزة والضفة وكل زوايا الوطن والشتات تهديداً وجودياً يتجاوز المواجهة العسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري. ما يجري اليوم ليس مجرد صراع بين إسرائيل وحماس، بل هو امتداد لمخطط استيطاني استعماري إحلالي يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية برمتها، وإعادة رسم الخريطة الديموغرافية لصالح "إسرائيل الكبرى"، من خلال جريمة التهجير التي يسعى لها نتنياهو من خلال أوامر أعطيت للموساد بإجراء محادثات مع الصومال وجنوب السودان بالإضافة إلى دول أخرى من بينها إندونيسيا، وفق ما ذكره موقع اكسيوس. حيث تسعى دولة الاحتلال لدفع هذا التحرك قدما وسريعاً واتخاذ تدابير عسكرية أخرى لإجبار خروج الفلسطينيين من غزة، بينما تستأنف الحرب وتصدر أوامر إخلاء لسكان القطاع.
المعادلة الصعبة، المقاومة أم النجاة؟
لطالما كانت المقاومة حقاً مشروعاً للشعوب التي تواجه الاحتلال حيث يتوجب أن تُصان لا أن تُدان، لكن في ظل الظروف الراهنة، يواجه شعبنا الفلسطيني معضلة وجودية؛ فإسرائيل لم تستهدف فقط البنية التحتية للمقاومة، بل دمرت مقومات الحياة في غزة، بهدف دفع السكان إلى الهجرة القسرية أو استحالة العيش داخل القطاع، الأمر الذي من جهة ثانية لا يبرر رفع الراية البيضاء.
وعلى الرغم من مسؤولية الاحتلال المطلقة عن هذه الكارثة وكل ما سببها من كوارث، إلا أن الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس باعتبارها تقود شكل المقاومة المسلحة هنالك، مطالَبة بإعادة تقييم استراتيجياتها لضمان استمرار النضال الوطني التحرري دون تعريض المدنيين لمزيد من المعاناة. فالمقاومة ليست فقط في المواجهة المسلحة، بل أيضاً في تعدد أشكالها وتعزيز صمود الشعب وحماية وحدته ووجوده، لأن وحدة شعبنا الوطنية هي السلاح الأهم في مواجهة الاحتلال وهي قانون الانتصار كما ردد دائما الأخ القائد مروان البرغوثي.
إسرائيل ومخطط التهجير الاستعماري
لم يكن ما يجري في غزة منفصلا عما يحدث في الضفة الغربية منذ عقود، حيث تتسارع عمليات الضم والاستيطان وتدمير المخيمات وتهجير أهلها، ويتزايد إرهاب المستوطنين بهدف تفكيك الكيانية الفلسطينية خطوة بخطوة. لقد بات واضحاً أن المخطط الإسرائيلي لا يستهدف فقط إضعاف المقاومة، بل تسعى حكومة الاحتلال والتي تستعد خلال الأيام القادمة وفق "يديعوت احرونوت" بالمصادقة على قرار قطع علاقات التعاون الإقليمي مع السلطة الفلسطينية والتي تشمل تنفيذ مشاريع مشتركة، حيث وزارة التعاون الإقليمي الإسرائيلية ستقطع علاقاتها مع السلطة بناءً على القرار وستتوقف عن اعتبار السلطة "كيانًا" في المنطقة، وهو ما يتوجب رؤيته وفهمه في إطار ما يجري من مشروع يستهدف الكل الفلسطيني، وإعادة تشكيل المشهد الجغرافي والديموغرافي للمنطقة عبر التهجير القسري وإعلان ضم الأراضي وتقويض دور أي سلطة وطنية واستبدالها بأشكال أخرى متعاونة، ضمن مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي ترعاه الولايات المتحدة الجاري تنفيذه من خلال ما جرى بغزوة سوريا الإسلاموية وما يجري في لبنان مرة أخرى رغم الاتفاق والاعتداء المستمر على اليمن، ومن تهديدات للأردن ومصر.
الموقف العربي والدولي العجز والتواطؤ
في ظل المجازر المستمرة وجرائم الاقتلاع والاستيطان، يظل الموقف العربي ضعيفاً ومترنحاً بين الإدانات الخجولة والتطبيع المتسارع، مما يعكس غياب الإرادة في مواجهة الرؤية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، وغياب رؤية استراتيجية للتعامل مع الخطر الذي لا يهدد فلسطين وحدها، بل قد يمتد ليطال المنطقة بأسرها، وهو ما يجري اليوم.
أما على المستوى الدولي، فتستمر الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة مع صعود اليمين المتطرف، في توفير الغطاء السياسي والديبلوماسي والعسكري لإسرائيل، في تحالف أيديولوجي يجمع الصهيونية واليمين الشعبوي الغربي، رغم تصاعد وتيرة التضامن لشعوب تلك الدول معنا والذين باتوا يتعرضون للمضايقات من جانب آخر.
المراجعة النقدية ضرورة وطنية، الانقسام وغياب الديمقراطية
لم يعد مقبولاً التعامل مع الكفاح الفلسطيني بردود أفعال مؤقتة، بل يجب إجراء مراجعة نقدية شاملة لمسيرة النضال الوطني بما يشمل كل مفاصلها من أوسلو وحتى 7 أكتوبر، بأخطائها وإنجازاتها، والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى في كفاحها للتحرر الوطني رغم اختلاف الزمان والمكان والظروف.
لا يمكن الحديث عن المراجعة النقدية دون التطرق إلى ترسيخ الانقسام الفلسطيني على مدار الثمانية عشر عاماً الماضية لأسباب يطول شرحها هنا، مما أدى إلى غياب الانتخابات، التي تعد حقا مكفولاً بالنظام الأساسي الفلسطيني ووثيقة إعلان الاستقلال والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات.
إن غياب الانتخابات والتوافق الوطني أضر بصورة القضية الفلسطينية أمام العالم، وأثر على صمود الشعب الفلسطيني ووحدته الداخلية وقدرته على المواجهة والمقاومة الشعبية، الأمر الذي أتاح للاحتلال استغلال تداعيات ذلك وترسيخ الفصل الجغرافي السياسي بين شقي الوطن الواحد.
لقد أتاح الانقسام استمرار ازدواجية السلطة والتمثيل، ما أضعف قدرة الفلسطينيين على بناء رؤية وطنية مقاومة جامعة. ولو تم تنفيذ اتفاقيات المصالحة السابقة، وتمت العودة إلى الخيار الديمقراطي عبر الانتخابات، لكان من الممكن تجنيب شعبنا الكثير من المآسي التي يعيشها اليوم، ولاصبحت الوحدة الوطنية أداة أقوى في مواجهة المخططات الإسرائيلية ولكان منع ذلك التفرد بقرار الحرب والسلم كما يقال.
الخيار أمام الفلسطينيين والعالم ، غزة ما بعد 7 أكتوبر
نحن اليوم أمام لحظة الحقيقة، إما أن ندرك أن ما يجري هو معركة تصفية شاملة تستهدف فلسطين كلها ووجودنا وكياننا وفق رؤية الحركة الصهيونية ومزاعمهم التوراتية المسيانية التي يشاركهم بها المسيحيين الصهيونيين خزان ترامب الانتخابي بل وأقطاب من الحزب الديمقراطي أيضاً، أو أن نستمر في الغرق في خلافات داخلية دون استراتيجية وطنية تعيد بناء المشروع التحرري الفلسطيني بعد كل المتغيرات المتسارعة بالعالم والإقليم، مما يُسهّل تنفيذ المخطط الإسرائيلي خطوة بعد خطوة مع اصرارهم على رفض أي أفق سياسي، فالاحتلال لن يقدم لا السلام أو الخبز والورود لشعبنا حتى ولو استحوذ على أسراه لدى المقاومة دون ثمن.
من يعتقد أن الأوضاع في غزة بعد هذه الحرب ستكون كما كانت قبل 7 أكتوبر فهو لا يدرك المتغيرات السياسية العميقة التي تشهدها المنطقة. غزة ما بعد هذه الحرب ستواجه واقعاً جديداً، يتطلب مقاربة مختلفة على المستويين السياسي والاستراتيجي، تبدأ بإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس ديمقراطية واسعة تتعدى التمثيل الفصائلي لتشمل كافة قطاعات المجتمع من المستقلين الوطنيين والشباب، وإعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني بما يضمن مواجهة جرائم الاحتلال والاستيطان والتهجير والإحلال، ويحافظ على وحدة الأرض والشعب والقضية.
المطلوب اليوم ليس فقط وقف إطلاق النار على الأهمية الفورية لذلك لحقن مزيداً من دماء شعبنا، بل إعادة ترتيب البيت الفلسطيني والاصرار على مفاوضات تتعلق بإنهاء الاحتلال أولا عن كل أراضي دولة فلسطين المحتلة التي أعترف بها العالم. من خلال إنهاء الانقسام ووحدانية التمثيل والتمسك بالثوابت الوطنية دون الارتهان لمشاريع ووعود سرابية أمريكية جديدة أو لأي شكل من التدخل في شأن قرارنا الوطني المستقل الذي يتوجب الإجماع عليه اليوم في إطار وحدة وإتساع قاعدة منظمة التحرير كقائد التحرر الوطني، لأن القضية ليست مجرد حرب على غزة ولا حرب ضد أحداً دون أحد، بل معركة ضد الوجود والهوية الفلسطينية الجامعة بما يُترجم طبيعة وإصرار العقلية الصهيونية وأهدافها على استمرار القتل اليومي والتهجير وإنهاء الكيانية الفلسطينية، كما أشرت إلى ذلك بمقالات سابقة.