يمضي الرئيس السوري أحمد الشرع في بناء المؤسّسات الدستورية للدولة، من التوقيع على الإعلان الدستوري، إلى تعيين مفتي سوريا ومجلس الإفتاء، فتشكيل الحكومة الجديدة، “حكومة التغيير والبناء”، إلى جانب الإسراع في تطويع جنود الجيش الجديد، ورجال الأمن العامّ، وسط أمواج عاتية ومتلاطمة، وفي خضمّ مخاطر داخلية وخارجية وشيكة وكبيرة. هو سباق مع الزمن، في أصعب لحظة تمرّ بها المنطقة والعالم.
كأنّه معاوية على كرسيّ دمشق، هادئ، وحليم، وتواصليّ، وسياسيّ إلى أبعد الحدود، حتّى في أيّام الخطر والحرب. فبعد تعرّض معاوية بن أبي سفيان لمحاولة اغتيال من أحد الخوارج، دأب على الصلاة في مقصورته، وهي حجرة منعزلة عن بقيّة الحجرات. والشرع بعد إحباط محاولة معقّدة لاغتياله في بداية التحرير، وتزايد المخاوف على حياته، صلّى عيد الفطر في مصلّى قصر الشعب بدمشق.
يقال إنّ الرئيس الراحل حافظ الأسد (توفّي عام 2000)، كان يتقصّى سيرة معاوية في الحكم، حتّى إنّه اتّبعه في استخلاف ابنه غير المؤهّل، والذي لا ينتمي إلى قماشة رجال السياسة.
أحمد الشرع الآن، نسبياً، كما كان معاوية من قبل، وكحافظ الأسد لاحقاً، يسير على خطّ مشدود. لكنّ الشرع بخلاف الأسد الأب، يواجه وضعاً أكثر تعقيداً بكثير، فهو عالق:
– بين الأكثريّة السنّية الغاضبة والأقليّات الدينية الخائفة.
– بين تركيا المستعجلة لوأد المشروع الكرديّ بأيّ ثمن، ورغبته بحلّ غير دمويّ لهذه المشكلة المزمنة.
– بين تركيا الطامحة لتوسيع نفوذها الاستراتيجيّ عبر سوريا، وإسرائيل التي ترى نفسها الوريثة الشرعيّة لإيران المنحسرة.
– بين أميركا – ترامب التي لا تريد لروسيا ملء فراغها في المنطقة، وروسيا- بوتين التي تبذل جهوداً حثيثة بالترغيب والترهيب للبقاء في سوريا.
بين كلّ هؤلاء وهؤلاء، مطلوب منه إقالة سوريا من عثراتها التاريخية، عبر التخلّص من طغيان الأجهزة الأمنيّة وفساد الإدارات الرسمية، وبناء الاقتصاد المنهار والبلد المدمّر نفسيّاً ومادّياً. ومطلوب منه أيضاً استعادة ملايين المهاجرين إلى البلاد النائية كما المجاورة.
باختصار، مطلوب منه إقامة دولة حديثة بما يقرب درجة الصفر، من دون أن تُرفع عن بلاده كلّ العقوبات الجائرة، ومن دون أن تصل إليه المعونات المالية الكافية لضمان الأمن والاستقرار بالحدّ الأدنى، قبل الانطلاق بمسيرة التعمير والاستثمار.
تشكّلت الحكومة الجديدة من 23 وزيراً، بلا رئيس وزراء، باعتبار أنّ النظام الانتقالي رئاسيّ، بحسب الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار الماضي. ويبدو من تشكيلتها حرص الشرع على أمرين من الصعوبة بمكان الجمع بينهما: أن تكون مستندة إلى الكفايات بقدر ما تكون ممثّلة لكلّ المكوّنات، وأن لا تكون من قبيل المحاصصة بين التكتّلات والتيّارات السياسية.
لذا خلت التشكيلة من أيّ ممثّل عن قوات سوريا الديمقراطية، أو “قسد” التي عقد الشرع مع قائدها مظلوم عبدي اتّفاقاً تاريخياً في 11 آذار الماضي، وهو ما أزعج “قسد” بطبيعة الحال. فالاتّفاق بين دمشق و”قسد” لا يمنح الأكراد استقلالية ذاتيّة داخل الدولة، ولا حتّى حصّة حزبية تمثّلها “قسد” حصريّاً.
هو النموذج المطبّق بالنسبة لباقي الأقلّيات، أي الدروز والعلويين والمسيحيين. فالمطلوب دوليّاً، ومن الولايات المتحدة خاصة، أن تكون الحكومة ممثَّلة لكلّ مكوّنات سوريا، وهذا ما حدث، علماً أنّ الشرع وجد صعوبة كبيرة في العثور على ممثّلين للأقلّيات، مع ممارسة ضغوط على المرشّحين منهم في بيئاتهم من أجل الامتناع عن المشاركة في الحكومة الجديدة، وذلك بهدف محاصرة النظام الجديد، وحرمانه من الشرعية الوطنية بنظر الغرب. بل إنّ بعض اللوبيات الأقلّوية في واشنطن حاولت إقناع الإدارة الأميركية بالإبقاء على عقوبات قيصر على سوريا.
هذه مفارقة عجيبة أن يتعرّض السُّنّة في سوريا لعواقب عقوبات قيصر، وهي العقوبات التي فُرضت على النظام الطائفي أيّام الأسد الابن، بسبب المجازر التي تعرّضت لها الأكثرية السنّية، خاصّة في سجون النظام.
من الملاحظ أيضاً، في تشكيلة الحكومة، أنّ الشرع حاول الموازنة بين القديم والجديد. فبعض قديم النظام السابق انضمّ إلى الحكومة، وبقي بعض القديم من حكومة إدلب التي أدارت المرحلة ما قبل الانتقالية الحالية، بالإضافة إلى 13 وزيراً جديداً، من أصل 23. هذا وربع الوزراء لديهم شهادة دكتوراه، وأكثر منهم بقليل لديهم شهادة ماجستير. نصف الوزراء درسوا خارج سوريا، وثلثهم عملوا في منظّمات دولية.
أمّا برنامج الحكومة، كما ظهر من تصريحات الوزراء، فهو يوازن أيضاً بين القديم والجديد، إن صحّ التعبير، فلا جنوح كاملاً إلى النظام الليبرالي، ولا تمسّك كاملاً بالقطاع العامّ، بل بناء نموذج اقتصادي كلّي للاقتصاد السوري وتطوير البيئة التشريعية والاستثمارية لتشجيع القطاع الخاصّ، وضمان الاستثمارات المحلّية والأجنبية، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة وآمنة عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم الحوافز. والهدف هو إنشاء بيئة استثمارية مشجّعة لجذب الاستثمار، والاستثمار في المشاريع الاستراتيجية في البنية التحتية، وهذا ما يقتضي مراجعة القوانين وتحديثها. ومن جهة مقابلة، إعادة تقويم الشركات المملوكة للدولة لتكون منتجة ورابحة.
لا اندفاع نحو الاستيراد على حساب الصناعات أو الزراعات المحلّية التي ينبغي تعزيزها، بل إصلاح السياسة الجمركية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، ودعم الشراكات التجارية. وفي الوقت نفسه، لا فرض قيود شديدة على الاستيراد، بل وفق ما تقتضيه حاجات السوق والإنتاج. لا تخلّي نهائيّاً عن دولة الرعاية ولا عن دعم الأسعار، بل خفض الدعم لا إلغاؤه، ومراجعة استراتيجيات الدين العامّ، وإعادة النظر في السياسة الضريبية للبلاد بما يتناسب مع سياسة السوق.
كان الدكتور حسين الشرع، والد الرئيس الحالي، وأحد الخبراء الاقتصاديين المعروفين، قد انتقد في منشور له في شباط الماضي، فكرة خصخصة شركات ومؤسّسات القطاع العامّ الاقتصادي، وهو ما كان يُتداول في تلك الأيّام. واعتبر الشرع الأب أنّ الخصخصة خطأ كبير، “ذلك أنّ هذا القطاع العامّ أُقيم خلال عشرات السنين، وهو ثروة قومية، وملك للشعب. إذا كان هناك ترهّل وفساد وخسائر، فهذا لا يعود للبنى الأساسية، بل يرجع إلى الإدارات الجاهلة التي أدارتها بلا خبرة ولا اهتمام لأنّها اعتبرتها ملكاً لها تعمل فيه كما تشاء”.
هكذا يمكن القول إنّ الرئيس الشرع قد أخذ بتوصيات والده، فجاء برنامجه الاقتصادي متوازناً.